التّوحيد الشّهوديّ المثاليّة لا إنّهم تحقّقوا بذلك التّوحيد. ولا مناسبة للتّوحيد الشّهوديّ بهذه الصّورة المثاليّة في الحقيقة لأنّ وقت حصول ذلك التّوحيد وقت حيرة لا حكم بشيء في ذلك الموطن، وصاحب التّوحيد الوجوديّ مع شهوده لصورة التّوحيد الشّهوديّ المثاليّة من أرباب العلم فإنّه ينفي ما سوى الواحد، والنّفي حكم من الأحكام وهو من مقولة العلم، والعلم لا يجتمع مع الحيرة، فثبت أنّ صاحب التّوحيد الوجوديّ لا حظّ له من مقام عين اليقين. نعم إذا وقع لصاحب التّوحيد الشّهوديّ التّرقّي من مقام الحيرة يبلغ مقام المعرفة الّتي هو مقام حقّ اليقين فيجتمع العلم في ذلك الموطن مع الحيرة والعلم الحاصل قبل الحيرة ومع الحيرة هو علم اليقين. (ويتّضح) هذا الجواب بمثال وهو أنّ شخصا رأى نفسه مثلا سلطانا في المنام بواسطة مناسبة تتعلّق بمقام السّلطنة، ووجد في نفسه لوازم السّلطنة، ومعلوم أنّ ذلك الشّخص لم يصر سلطانا بعد بهذه الرّؤية بل رأى نفسه في صورة السّلطنة المثاليّة ولا مناسبة في الحقيقة للسّلطنة بصورتها المثاليّة أصلا، إلّا أنّ هذا الشّهود ولو كان لصورة مثاليّة يؤذن بوجود الإستعداد في ذلك الشّخص للتّحقّق بحقيقة هذه الصّورة، بحيث لو اجتهد بغاية جهده وكانت عناية الحقّ جلّ شأنه شاملا حاله لبلغ مقام السّلطنة. وفرق ما بين القوّة والفعل كثير، وكم من حديد له قابليّة لأن يكون مرآة لا يصل إلى أيدي الملوك حتّى يصير مرآة بالفعل ولا يحصل له نصيب من جمالهم أين وقعت إلّا أنّي أقول: إنّ سبب تحرير هذه العلوم الغامضة هو أنّ أكثر أبناء هذا الزّمان قد تمسّك بذيل التّوحيد الوجوديّ بعضهم بالتّقليد، وبعضهم بمجرّد العلم، وبعضهم بالعلم الممزوح بالذّوق ولو في الجملة، وبعضهم بالإلحاد والزّندقة. وصاروا يرون الكلّ من الحقّ بل يرون الكلّ حقّا، وطفقوا يخرجون رقابهم بهذه الحيلة من ربقة الإسلام وتكاليف الشّريعة ويخترعون أنواع المداهنات في الأحكام الشّرعيّة، ويفرحون بهذه المعاملات الغير المرعيّة. ولئن اعترفوا بإتيان الأوامر الشّرعيّة إنّما يعترفون به بالتّبعيّة ويتخيّلون المقصود الأصليّ وراء الشّريعة العليّة حاشا وكلّا ثمّ حاشا وكلّا نعوذ بالله سبحانه من هذا الإعتقاد السّوء; فإنّ الطّريقة والشّريعة كلّ منهما عين الآخر لا مخالفة بينهما مقدار شعرة، وإنّما الفرق بينهما بالإجمال والتّفصيل والإستدلال والكشف وكلّما هو مخالف للشّريعة فهو مردود. وكلّ حقيقة ردّته الشّريعة فهو زندقة.
وطلب الحقيقة مع الإستقامة في الشّريعة حال أهل الكمال من الرّجال. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة والثّبات على متابعة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات ظاهرا وباطنا.
وكان العارف بالله حضرة شيخنا وقبلتنا قدّس الله سرّه في مشرب التّوحيد الوجوديّ زمانا، وبيّنه في رسائله ومكاتيبه، ثمّ رزقه الله سبحانه التّرقّي من ذلك المقام أخيرا ووجّه نحو الطّريق الأعظم وخلّصه من مضيق هذه المعرفة. نقل الشّيخ ميان عبد الحقّ الّذي هو من جملة مخلصيه عنه أنّه قال قبل مرض موته بجمعة: إنّه قد صار لي معلوما بيقين يقين أنّ التّوحيد الوجوديّ سكّة صغيرة والطّريق الأعظم غيره، وقد كنت علمت هذا سابقا ولكنّ الآن قد حصل لي يقين آخر». وكان هذا الفقير أيضا في مشرب التّوحيد مدّة حين كنت في ملازمة شيخي وحضوره ولاحت لي مقدّمات كشفيّة في تأييد هذا الطّريق