المزيلة للرّقّيّة والمثبتة للحرّيّة في عين العبديّة وهي المسقطة للأنانيّة بل الرّافعة للأنانيّة إلى الدرجات الكماليّة (ينبغي أن يعلم) أنّه سبحانه قال في المعيّة العامّة بالاشياء وهو معكم فأثبت المعيّة في طرفه سبحانه وفي المعيّة الخاصّة بحكم"المرء مع من أحبّ"أثبت المعيّة في هذا الطّرف بمقتضى المحبّة شتّان ما بين المعيّتين فإنّ في المعيّة الخاصّة إثبات المعيّة من الطّرفين وفي المعيّة العامّة من ذاك الطّرف فقط فيلزمها الحرمان في عين الوجدان يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله (1) والعالم وإن كان ظلال الصّفات وعرض له الوجود والبقاء بتوسّط الصّفات ولكن محبّ حضرة الذّات تعالت وتقدّست بتوسّط المحبّة الذّاتيّة مع حضرة الذّات تعالت قد ترقّى من الصّفات الّتي هي أصوله بعروج لا كيفيّ واتّصل بأصل الاصول متجاوزا الاصول ولكنّ اتّصاله لا كيفيّ فلو لم يترقّ عن أصله فما تكون الفائدة في مجيئه يعني وجوده وما الحاجة إلى المحبّة فإنّه كان له اتّصال بأصله في جميع الاوقات وكان الوصل الظّلّيّ ميسّرا له دائما والامر هو جعل الأصل مرقاة كالظّلّ والتّرقّي بأجنحة المحبّة إلى ما فوقه وفهم هذا العروج ليس ممّا يحصل في حوصلة فهم كلّ أحد والتّرقّي عن نفسه تاركا لنفسه ليس ممّا يكون معقولا لأرباب النّظر والفكر بل الصّوفيّة أيضا يشرّف منهم بهذه الدولة واحد من ألوف وينكشف له سرّ هذا المعمّى. (شعر)
هزار نكتهء باريك تر ز موئ اينجاست ... نه هر كه سر بتراشد قلندرى داند
(فإن قيل) إنّ هذا السّير هل هو آفاقيّ او أنفسيّ (أجيب) أنّه ليس بآفاقيّ ولا أنفسيّ فإنّ المراد من الآفاق والأنفس الداخل والخارج وهذه المعاملة وراء الدخول والخروج وإن كانت محالا عند أرباب النّظر فإنّه إذا كان المطلوب أقدس من الدخول والخروج وتكون النّسبة معه أيضا منزّهة عن الدخول والخروج بالضّرورة وهذا السّير مع هذا الاشكال ومع هذه الدقّة معلوم ومتميّز عند اربابه ان كان من ارباب العلم كسير الدهليّ وأكره وكلّ منزل ممتاز عن منزل آخر. (تنبيه) إنّ العالم وإن كان ظلال الصّفات والصّفات ظلال حضرة الذّات ولكن للظّلّيّة درجات ومراتب كلّ منها حجاب للمطلوب"إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة"وما لم تخترق الحجب بالتّمام لا يتخلّص من الظّلّيّة والمراد من خرق الحجاب هنا خرق شهوديّ وما ورد في آخر هذا الخبر من منع خرق جميع الحجب فالمراد منه خرق وجوديّ وهو ممتنع لانّه مستلزم لرفع الصّفات القديمة وهو محال ولكن إذا حصلت المعيّة الغير المتكيّفة فلها حكم الخرق الوجوديّ ومع الحجب كأنّه لا حجب فإنّ للمعيّة دقّة بحيث لا تطيق الحائل رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعليهم وعلى آله الطّاهرين أجمعين.
(1) الآية: 56 من سورة الزمر.
(2) الآية: 8 من سورة التحريم.