وعلمت أيضا أنّ مقام الخلّة بالاصالة مخصوص بحضرة إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وانّ ولايته ولاية إبراهيميّة فاعلم أنّه قد ظهر لهذا الفقير الآن بتوسّط بركات هذه المعارف أنّ التّعيّن الاوّل هو تعيّن حضرة الذّات - تعالت وتقدّست - بحضرة الوجود وذلك التّعيّن الاوّل هو ربّ حضرة الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولهذا كان هو إمام الكلّ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا (1) وصار سيّد البشر مأمورا بمتابعته (اتّبع ملّة إبراهيم حنيفا) وكلّ نبيّ جاء بعده كان مأمورا بمتابعته وسائر التّعيّنات مندرجة في ضمن هذا التّعيّن الوجوديّ سواء كان تعيّنا علميّا جمليّا أو تفصيليّا ويمكن أن يكون من ههنا ذكر نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام إبراهيم عليه السّلام بالابوّة وذكر سائر الانبياء على جميعهم الصّلاة والسّلام بالاخوّة فلو ذكر سائر الانبياء بالبنوّة لجاز فإنّ تعيّناتهم مندرجة في تعيّنه الذى هو التّعيّن العلميّ الجمليّ على ما قالوا وما ورد في الصّلاة المأثورة من قوله صلّى الله عليه وسلّم"كما صلّيت على إبراهيم"يمكن أن يكون من جهة أنّ الوصول إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست بدون توسّط التّعيّن الاوّل لتلك المرتبة التّعيّن الوجوديّ وبلا اتمام الكمالات الولاية الإبراهيميّة غير ميسّر فإنّه هو العقوبة الاولى لتلك المرتبة المقدّسة وهو الذى صار مرآة لغيب الغيب فأورد بطن البطون إلى عرصة الظّهور فلا بدّ حينئذ لكلّ أحد من توسّطه وأمر الله سبحانه خاتم الانبياء عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بمتابعته ليصل بتبعيّته إلى ولايته ثمّ يتبختر منها إلى حضرة الذّات جلّ شأنه (فإن قيل) لزم من هذا البيان أن يكون إبراهيم أفضل من خاتم الرّسل على جميعهم الصّلاة والسّلام والحال أنّ الإجماع على أفضليّة خاتم الرّسل على جميعهم ولزم أيضا أن يكون التّجلّي الذّاتيّ نصيب حضرة الخليل بالاصالة ويكون لغيره بتبعيّته ومن المقرّر عند أكابر الصّوفيّة أنّ التّجلّي الذّاتيّ بالاصالة مخصوص بخاتم الرّسل ولغيره بتبعيّته (أجيب) انّ الوصول إلى الذّات كتجلّي الذّات - تعالت وتقدّست - على قسمين: باعتبار النّظر وباعتبار القدم يعني: أنّ الواصل إمّا النّظر أو النّاظر بنفسه والوصول النّظريّ نصيب الخليل عليه السّلام بالاصالة فإنّ أقرب التّعيّنات إلى حضرة الذّات هو التّعيّن الاوّل الذى هو ربّه كما مرّ وما لم يوصل إلى ذلك التّعيّن لا ينفذ النّظر إلى ما ورائه والوصول القدميّ نصيب الحبيب بالاصالة فإنّه محبوب ربّ العالمين ويوصل بالمحبوبين إلى محلّ يعجز عنه الاخلّاء إلّا أن يذهبوا فيه بتبعيّته واللّائق بالخليل أن يصل نظره إلى مقام يصل إليه رئيس المحبوبين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وأن لا يقصّر في الطّريق (وبالجملة) انّ تجلّي الذّات من وجه مخصوص بالخليل وغيره تابع له ومن وجه مخصوص بخاتم الرّسل وغيره تابع له عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولمّا كان الوجه الثاني أقوى وأدخل في مراتب القرب كانت مناسبة التّجلّي الذّاتيّ بخاتم الرّسل أكثر وأزيد وكان هو صلّى الله عليه وسلّم أفضل من الخليل ومن سائر الانبياء بالضّرورة فكان الفضل الكلّيّ نصيب الحبيب والخليل من بين الانبياء وإن كان أحدهما أفضل من الآخر ولمّا كان موسى عليه وعلى نبيّنا
(1) الآية 124: من سورة البقرة.