الإنكار عليها وما يفهمه هذا الفقير من معنى قولهم: الكلّ هو أنّ جميع هذه الجزئيّات المتفرّقة الحادثة ظهور ذات واحدة - تعالت وتقدّست - كما إذا انعكست صورة زيد في مرايا متعدّدة وظهرت فيها فيقال الكلّ هو يعني أنّ جميع هذه الصّور الّتي ظهرت في مرايا متعدّدة ظهور ذات واحدة لزيد فهنا أيّ جزئيّة واتّحاد وأيّ حلول وتلوّن بل ذات زيد مع وجود الصّور كلّها على صرافتها وحالتها الاصليّة ما زادت هذه الصّور فيها شيئا وما نقصت لا اسم للصّور فيما فيه ذات زيد ولا رسم حتّى يحصل لها معها نسبة من نسب الجزئيّة والاتّحاد والحلول والسّريان ينبغي أن يطلب سرّ الآن كما كان في هذا المكان فإنّ مرتبته سبحانه وتعالى كما لم يكن للعالم فيها مجال قبل الظّهور لا يكون له فيها مجال أيضا بعد الظّهور فلا جرم يكون الآن كما كان (والعجب) أنّ كثيرا من أكابر متقدّمي الصّوفيّة فهموا من هذه العبارة الممزوجة بشهود التّوحيد معنى الحلول والاتّحاد وكفّروا قائليها وضللوهم وبعضهم يوجّه هذه العبارة على نهج لا مناسبة له بمذاق قائليها بوجه ولا نسبة قال صاحب العوارف: إنّ صدور: «أنا الحقّ"من الحلّاج"وسبحاني"من أبي يزيد البسطاميّ كان بطريق الحكاية يعني من الحقّ سبحانه وتعالى فلو لم يكن بطريق الحكاية بل كان فيه شائبة الحلول والاتّحاد نردّ قائلي هذه الاقوال كما نردّ النّصارى لقولهم بالحلول والاتّحاد وقد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّه لا حلول في هذه العبارة الشّبيهة بالشّطح والاتّحاد والحمل فيها إنّما هو باعتبار الظّهور والشّهود لا باعتبار الوجود كما فهموا وحملوا على الحلول وكان هذه المسالة يعني مسالة التّوحيد الوجوديّ لم تكن محرّرة وملخّصة فيما بين متقدّمي الصّوفيّة كما ينبغي وكلّ من كان منهم مغلوب الحال ظهر منه كلمة في التّوحيد شبيهة بالقول بالاتّحاد وهو لم يطّلع على سرّها من غلبة السّكر ولم يصرفها من ظاهرها الذى يفهم منه شائبة الحلول والاتّحاد ولمّا وصلت النّوبة إلى الشّيخ الاجلّ محيي الدين بن العّربيّ - قدّس سرّه - شرح هذه المسالة الدقيقة من كمال المعرفة وبوّبها وفصّلها ودوّنها تدوين الصّرف والنّحو ومع ذلك لم يفهم جمع من هذه الطّائفة مراده فخطئوه وطعنوا فيه وأطلقوا عليه لسان الملام والشّيخ محقّ في أكثر تحقيقات هذه المسالة والطّاعنون فيه بعيدون عن الصّواب ينبغي أن يعرف جلالة شأن الشّيخ ووفور علمه من تحقيق هذه المسألة لا أن يردّه ويطعن فيه وكلّما يمرّ على هذه المسالة زمان تصير واضحة ومنقّحة بتلاحق أفكار المتأخّرين وتبعد عن شبهات الحلول والاتّحاد الا ترى أنّ النّحو الذى صار الآن واضحا ومنقّحا بتلاحق أفكار المتأخّرين من النّحويّين لم يكن فيه ذلك التّنقيح والوضوح في زمان سيبويه والاخفش فإنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الافكار وقد باحث الإمام الاعظم والإمام أبو يوسف في مسالة خلق القرآن ستّة أشهر وجرى بينهما الرّدّ والنّقض ثمّ استقرّ رأيهما على أنّ من قال: إنّ القرآن مخلوق يصير كافرا وطول هذه المنازعة إنّما كان لعدم تنقيح هذه المسالة في ذلك الوقت والآن حيث كانت منقّحة بتلاحق الافكار نقول: لو كان محلّ النّزاع هو الحروف والكلمات الدالّة على الكلام النّفسيّ فلا شكّ أنّها حادثة ومخلوقة وإن كان المراد هو"