فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 1087

ذلك الموطن ليست كحسن الدنيا وجمالها ولا كالتّلذّذات والتّنعّمات فيها فإنّ ذاك الحسن والجمال خير في خير وذاك التّلذّذ والتّنعّم مرضيّ عند المولى جلّ شأنه ومقبول وكلّ هذا الحسن والجمال شرّ ونقص وجميع هذا التّلذّذ والتّنعّم غير مقبول وغير مستحسن ولهذا كانت دار الآخرة دار الرّضا ودار الدنيا دار غضب المولى (فإن قيل) إذا كان الحسن والجمال في الممكن مستعارا من مرتبة حضرة الوجوب - تعالت وتقدّست - ولم يكن الممكن شيئا غير أن يكون مرآة ومظهرا لذلك الحسن والجمال فإنّ الممكن ليس له شيء بل كلّ ما فيه مستعار من حضرة الوجوب فمن أين جاء التّفاوت بين الموطنين؟ ولم كان أحدهما مرضيّا ومقبولا والآخر غير مقبول وغير مستحسن؟ (قلت) جواب هذا مبنيّ على مقدّمات (المقدّمة الاولى) انّ العالم بتمامه مجالي أسماء الواجب ومظاهر صفاته جلّ شأنه ومرايا كمالاته الاسمائيّة والصّفاتيّة (المقدّمة الثانية) انّ صفات الواجب وإن كانت داخلة في دائرة الوجوب ولكن لمّا ثبت لها الاحتياج في الوجود والقيام إلى حضرة الذّات تعالت كانت فيها رائحة من الإمكان والوجوب الذّاتيّ غير مقطوع في حقّها فإنّ وجوبها ليس لنفسها بل لذات الواجب وإن لم يقولوا لها غير الذّات ولكن لا بدّ من الغيريّة فإنّ الاثنينيّة كائنة بينهما. الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة من قضايا أرباب المعقول ومع ذلك لا ينبغي إطلاق الإمكان في حقّها لكونه موهما للحدوث لانّ كلّ ممكن حادث عندهم ولا ينبغي تجويز الوجوب بالغير أيضا في ذلك الموطن لانّه موهم لانفكاكها عن حضرة الذّات تعالت وتقدّست (المقدّمة الثالثة) انّ كلّ ما فيه رائحة الإمكان فيه مجال للعدم في حدّ ذاته وإن كان حصوله محالا فإنّ استحالته ما جاءت من نفسه بل من محلّ آخر (المقدّمة الرّابعة) انّ أسماء الواجب وصفاته تعالى كما أنّ لها في جانب وجودها حسنا وجمالا كذلك لها في جانب احتمالها للعدم أيضا حسن وجمال وإن كان ثبوت هذا الحسن في مرتبة الوهم والحسّ ومناسبا للعدم وكان مستعارا من الجوار لانّ العدم لا نصيب له في حدّ ذاته غير الشّرّ والقبح والوجود هو الذي بكلّيّته خير وكمال وبتمامه حسن وجمال (ينبغي) أن يعلم أنّ الحسن الذي يحسّ في العدم كحنظل غلّف بالسّكّر وأوهم أنّه حلو (المقدّمة الخامسة) انّه قد لاح بكرم الله تعالى بالنّظر الكشفيّ أنّ جانب عدم الممكن قد حصلت له التّربية في هذه النّشأة بكمال الاقتدار وثبت له في مرتبة الحسّ والوهم بالصّنع الكامل ثبات واستقرار وجعل مظهرا لحسن الصّفات وجمالها الكائنين في جانب احتمالها للعدم واتّضح أيضا أنّ جانب وجود الممكن يرجّح في النّشأة الاخرويّة ويجعل مظهرا لحسن الصّفات وجمالها الكائنين في جانب وجودها فإذا علمت هذه المقدّمات الخمس صار التّفاوت بين حسن هذه النّشأة وجمالها وبين حسن تلك النّشأة وجمالها واضحا وكان حسن إحدى النّشأتين وقبح الاخرى لائحا وصار المرضيّ متميّزا من غير المرضيّ ومن هذه التّحقيقات انحلّ هذا السّؤال واتّضحت المقدّمة الّتي كان السّؤال الاوّل مبنيّا عليها كما لا يخفى على الفطن المتأمّل فإذا اتّضحت هذه المقدّمة أقول في جواب السّؤال الاوّل بفضل الله جلّ شأنه: إنّه قد صار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت