فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 1087

معلوما بالكشف الصّريح أنّ وجود يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وإن ظهر في هذه النّشأة ولكنّ وجوده من النّشأة الاخرويّة على خلاف وجود سائر موجودات هذه النّشأة وأنّه قد رجح جانب وجوده وجعل مظهرا للحسن والجمال المتعلّقين بوجود الاسماء والصّفات وانتفى عنه تعلّق شائبة العدمية بنفسه أو بأصله وجعل هو وأصله طاهرا من علّة العدم الذي هو منشأ كلّ قبح ونقص ولم يترك فيه غير استيلاء نور جانب الوجود الذي هو نصيب أهل الجنّة فكان التّعلّق بحسنه وجماله كالتّعلّق بحسن الجنّة وجمالها وحسن أهلها وجمالهم محمودا بالضّرورة ونصيبا للكلّ وكلّ ما كان المحبّ أكمل يكون تعلّقه بحسن تلك النّشأة وجمالها أزيد ويكون قدمه في مراضي المولى جلّ شأنه أسبق فإنّ التّعلّق بتلك النّشأة ومحبّتها عين التّعلّق بصاحب تلك النّشأة ومحبّته فإنّ تلك النّشأة ليست إلّا طلسم حكمته ونقاب جماله كرداء الكبرياء والله يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ (1) نصّ قاطع في هذا الامر والله يُرِيدُ الْآخِرَةَ (2) حجّة واضحة لهذا المعنى والذى جعل التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا مذموما وجعله مغايرا للتّعلّق بالمولى جلّ شأنه فهو لم يعلم حقيقة الآخرة كما هي وقاس الغائب على الشّاهد مع وجود الفارق البيّن فلو اطّلعت رابعة المسكينة على حقيقة الجنّة كما هي لما كانت في فكر إحراق الجنّة ولما اعتقدت التّعلّق بها مغايرا للتّعلّق بمولاها وقال آخر إن في آية مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (3) شكاية من الفريقين أعطاهم الله سبحانه الإنصاف كيف يتصوّر أن يدعو الله تعالى إلى جنّة ثمّ يشكو ممّن يجيب دعوته؟ فلو كان التّعلّق بذلك الموطن المقدّس مذموما أو كانت فيه شائبة الذّمّ لما كانت الجنّة دار الرّضا والرّضا هو نهاية مراتب القبول بل كانت مثل الدنيا مغضوبا عليها وعلّة الغضب وباعث الذّمّ العدم الذي هو أصل كلّ قبح ونقص وصار نصيبا للدّنيا وسببا لكونها ملعونة ولمّا حصل التّبرّي من العدم زالت شائبة الذّمّ والقبح وكان عدم الرّضا وعدم المقبوليّة نصيب الاعداء ولم يبق غير الرّضا والقبول والوجود والنّور وغير الوصل والرّاحة والسّرور أصلا قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام"إنّ الجنّة قيعان وإنّ غرسها قولك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر"والمعنى التّنزيهيّ الذي ظهر ههنا في كسوة الحروف والكلمات يتمثّل هناك بصورة الشّجر فيكون التّعلّق بذلك الشّجر والتّلذّذ منه عين التّعلّق والتّلذّذ بالمعنى التّنزيهيّ وعلى هذا القياس وما بيّنه الصّوفيّة العليّة من الأسرار والدقائق في التّوحيد والاتّحاد ونزلوا على المظاهر الجميلة في هذه النّشأة وعشقوها وأثبتوا في ضمن ذلك شهودا ومشاهدة واعتقدوا حسن تلك المظاهر وجمالها عين حسن المولى وجماله حتّى قال بعضهم ذقتك في كلّ طعام لذيذ وقال الآخر (شعر)

(1) الآية: 25 من سورة يونس.

(2) الآية: 67 من سورة الأنفال.

(3) الآية: 152 من سورة آل عمران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت