فهرس الكتاب

الصفحة 990 من 1087

سبحانه أن يكون مرادهم ما هو غير لائق بجناب قدسه تعالى فإنّهم أولياء الله وأحبّاؤه سبحانه المحفوظون من تجويز ما لا يجوز على الله والذين تشبّهوا بهم من غير حال وبدون صدق المقال وتكلّموا بكلماتهم وفهموا منها غير مراداتهم فوقعوا في الالحاد والزّندقة حتّى أثبتوا الحلول والاتّحاد مع الله سبحانه وحكموا بصيرورة الممكن واجبا فهم الزّنادقة الخارجة من المبحث قاتَلَهُمُ الله أَنّى يُؤْفَكُونَ (1) ولا يخفى أنّ ما ذكره الشّيخ قدّس سرّه في بيان قول الإمام رضي الله عنه وإن صدق في حقّ قوم من أهل التّلوين الذين استولى عليهم السّكر وغلب عليهم التّوحيد ولكنّى لحسن ظنّي بشأن الإمام لا أجوّز صدقه في حقّه رضي الله عنه؛ لانّه عندي من أكابر أرباب التّمكين والصّحو لا يلتبس عنده المتخيّل بالمتحقّق والسّماع من الغير بالسّماع من الحقّ سبحانه فليطلب لكلامه محمل حسن مناسب لحاله غير هذا الوجه وهو أنّه يمكن أن يسمع العبد كلام الرّبّ العالى بلا كيف كما سمع موسى عليه السّلام في الطّور (فإن قلت) ما معنى سماع الكلام من الله تعالى ولا يسمع إلّا ما هو حرف وصوت (قلت) ممنوع الا يرى أنّ الله تعالى يسمع كلامه بلا حرف وصوت فجاز أن يكون العبد إذا صار متخلّقا بأخلاقه تعالى يسمع بلا حرف وصوت والاستحالة ببديهة الوهم النّاشئة من قياس الغائب على الشّاهد مع وجود الفارق كيف يقاس والشّاهد في مضيق الزّمان المقتضي للتّرتّب والتّقدّم والتّأخّر والغائب لا يجري عليه زمان ولا تقدّم ولا تأخّر ولا ترتّب فجاز في الغائب ثبوت أشياء لا يجوز في الشّاهد فليفهم والله سبحانه أعلم بالصّواب (والتّحقيق) أنّ السّماع إن كان بحاسّة السّمع فلا بدّ أن يكون المسموع حرفا أو صوتا وأمّا إذا كان السّماع بكلّ جزء من أجزاء السّامع غير مخصوص بالحاسّة فجاز أن يحصل بلا حرف وصوت من المسموع فإنّا نسمع بكلّيّتنا وبكلّ جزء من أجزائنا كلاما ليس من جنس الحروف وإن كان يتخيّل في الخيال بالحروف والاصوات الخياليّة فعلم أنّ الكلام المأخوذ المسموع بكلّيّتنا كان أوّلا مجرّدا عن الحرف والصّوت وتلبّس ثانيا في الخيال بالحرف والصّوت الخياليّ ليقرب من الفهم والافهام على أنّا نقول ما هو أعجب منه وهو أنّ الله تعالى يسمع كلامنا المركّب من الحروف والكلمات المترتّبة المتقدّمة المتأخّرة لكنّ سماعه تعالى إنّما يكون بلا توسّط حرف وكلمة وبلا ترتّب وتقدّم وتأخّر لانّ الكلام المركّب المترتّب المتقدّم المتأخّر يقتضي زمانا ولا يجري عليه سبحانه زمان وهو تعالى خلق الزّمان فلمّا جاز سماع الكلام المركّب من الحروف والكلمات بلا توسّط حرف وكلمة فأولى أن يجوز سماع كلام ليس من جنس الحروف والاصوات فافهم ولا تكن من القاصرين ولا من العقلاء الجاهلين والله سبحانه الملهم للصّواب والذى الهمت به ثانيا بعد تسويد هذا المسطور في تحقيق هذا الكلام أنّ فهم العبد المستعدّ لخطابه تعالى وأخذه منه سبحانه إنّما يكون أوّلا بتلقّ روحانيّ بلا توسّط صوت ونداء ثمّ يتمثّل هذا المعنى المتلقّى في سلطان الخيال الذي فيه ارتسم صور الاشياء كلّها بصورة حرف وصوت

(1) الآية: 4 من سورة المنافقون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت