فهرس الكتاب

الصفحة 991 من 1087

لانّ الإفادة والاستفادة في عالم الشّهادة لا تكون إلّا بتوسّط الالفاظ والحروف ويجوز أن يطلق على هذا التّلقّي سماع بلا كيف أيضا لانّ الكلام بلا كيف فلا بدّ أن يكون سماعه أيضا بلا كيف إذ لا سبيل لكيف إلى ما لا كيف فيه فصحّ أن يجوز أن يسمع كلامه تعالى المجرّد من الحرف والصّوت بلا كيف ثمّ بعد ذلك يتمثّل ذلك الكلام في الخيال بصورة حرف وكلمة ليحصل الإفادة والاستفادة في عالم الاجسام أيضا ومن لم يطّلع على هذه الدقيقة يزعم بعض منهم وهم أحسن حالا أنّهم يسمعون كلامه تعالى لكن بتوسّط حروف وكلمات حادثة دالّة عليه وبعضهم أطلقوا القول بأنّهم يسمعون كلامه تعالى ولم يفرّقوا بين ما يليق بشأنه تعالى وما لا يليق وهم الجهّال البطّالون لم يفرّقوا ما يجوز على الله تعالى عمّا لا يجوز والحقّ ما حقّقت بفضل الله سبحانه وإحسانه تعالى قوله: صار سمعه بصره وبصره سمعه إلى أن قال: وعاد آخره أوّله وأوّله آخره أي أخذ سمعه حكم بصره وبصره حكم سمعه أي سمع بكلّيّته وبصر بكلّيّته وعلم بكلّيّته لا أنّه سمع ببعضه وبصر ببعضه الآخر مثلا فحينئذ لا يكون السّمع غير البصر ثمّ بيّن قوله: وعاد آخره أوّله وأوّله آخره لخفاءه وحاصله أنّ الله سبحانه خاطب الذّرّ بقوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (1) فسمعت النّداء بلا واسطة على غاية الصّفا ثمّ لم تزل الذّرّات تتقلّب في الاصلاب وتنتقل في الارحام حتّى برزت إلى أجسادها فاحتجبت بالحكمة عن القدرة وتراكم ظلماتها بالتّقلّب في الاطوار فإذا أراد الله بالعبد حسن الاستماع بأن يصيّره صوفيّا صافيا لا يزال يرقيه في رتب التّزكية والتّحلية حتّى يخلص إلى فضاء القدرة ويزال عن بصيرته النّافذة حجاب الحكمة فيصير سماعه ب‍ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (2) كشفا وعيانا وتوحيده وعرفانه تبيانا وبرهانا حيث أخذ لسانه ولسان غيره في حقّه حكم شجرة موسى يسمع منه كلامه تعالى كما سمع موسى من تلك الشّجرة فصحّ أنّه عاد آخره أوّله وأوّله آخره حيث سمع كلامه تعالى آخرا كما سمع أوّلا وعلى هذا حمل قول البعض أنّه قال: أنا أذكر خطاب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (3) أي كان ذلك الخطاب الذي أسمع الآن منه تعالى على الالسنة ولا يخفى عليك أنّ الخطاب الاوّل منه تعالى كان تحقيقا وسماع الذّرّ منه تعالى كان على سبيل الحقيقة وهذا الخطاب المأخوذ المسموع من الالسنة إنّما يكون خطاب الله تعالى على سبيل التّخيّل والتّوهّم كما مرّ فأين أحدهما من الآخر؟ فالعجب كلّ العجب أنّ الشّيخ مع جلالة قدره جعل أحدهما عين الآخر ولم يفرّق بين المتحقّق والمتخيّل وما هو إلّا عين السّكر وصرف التّوحيد مثله مثل قوله: أنا الحقّ وسبحاني وليس في جبّتي سوى الله وأعجب من هذا ما قال بعد ذلك: فإذا تحقّق الصّوفيّ بهذا الوصف صار وقته سرمدا إلخ لا يذهب عليك أنّ الصّوفيّ في هذا المقام ما تحقّق إلّا بالتّجلّي المعنويّ الصّفاتيّ كما مرّ وهو

(1) الآية: 172 من سورة الأعراف.

(2) الآية: 172 من سورة الأعراف.

(3) الآية: 172 من سورة الأعراف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت