ولقائل أن يقول: إذا جاز أن يكون محل إمكان الحادث الموضوع باعتبار أنه قابل له، فلم لا يجوز أن يكون محل إمان الحادث الفاعل، باعتبار أنه فاعل له؟ بل هذا أولى؛ لأن نسبة الفاعل إلى وجود المعلول أقوى وأشد من نسبة القابل إلى وجوده.
فإن قيل: لو كان الإمكان قائما بالفاعل لما كانت القدرة معللة به؛ لأنه حينئذ يكون الإمكان عبارة عن القدرة.
قلنا: كون الإمكان قائما بالفاعل، لا يقتضي أن يكون عين القدرة؛ فإن كون الفاعل بحيث يمكن أن يصدر عنه الحادث، غير كونه قادرا عليه، فيصح تعليل القدرة عليه بالإمكان.
وقيل: إن كل حادث فله إمكانان: أحدهما: الإمكان الذاتي، وهو الإمكان اللازم لماهيته، والثاني: الإمكان الاستعدادي؛ وذلك لأن الحادث لا تكون علته التامة دائمة، وإلا لكان وجوده عنها في بعض الأحوال دون البعض ترجيحا من غير مرجح.
ولا يكفي الإمكان الذاتي في فيضانه عن المبدأ القديم، بل لا بد من حصول شرط آخر، حتى يتم استعداده لقبول الفيض (5) من
(5) الفيض: يطلق على فعل فاعل، يفعل دائما لا لعوض ولا لغرض، وذلك الفاعل لا يكون إلا دائم الوجود؛ لأن دوام صدور الفعل تابع لدوام الوجود. كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 1293/ 2.