وفي المدونة الكبرى في مذهب مالك: (( أرأيت الرجل يقذف ولده أو ولد ولده من قبل الرجال والنساء أتحده بهم؟ قال: أما ابنه فإن مالكًا كان يستثقل أن يحده فيه ويقول: ليس ذلك من البر. أما ولد ولده فإني لم أسمعه من مالك, ولكني أرى أن يكون مثل ولده ) ) [1]
وكذلك قذف سائر الأقارب من ذوي الأرحام موجب للعقوبة مطلقًا ولا فرق بينهم وبين الأجانب لا خلاف في هذا بين أهل العلم.
قال ابن قدامة: (( وإن كان من ذوي رحمه المحرم كالأخ يقذف أخاه أو أخته يقام عليه الحد ) ) [2] فالقرابة المانعة من عقوبة القذف هي قرابة الأصول للفروع فقط دون ما عداها من سائر القرابات. وتسقط العقوبة في حالتين:
الأولى: إذا قذف الأصل فرعه مباشرة تعريضًا أو تصريحًا, أو تعريضًا فقط على رأي المالكية, بمعنى أن تكون المطالبة بالحد ثابتة للولد ابتداءً.
الثانية: أن يرث الفرع هذا الحق على أصله كما لو قذف الوالد زوجته (أم ولده) وله منها ولد وثبت الحق للولد باعتباره وارثًا لها بعد موتها, ففي هذه الحالة يسقط الحد, ولا يستحق الابن العقوبة على أبيه من باب أولى تعظيمًا لحقه قياسًا على القصاص- كما سبق [3] - كما هو رأي جمهور الفقهاء, أما ما استدل به ابن حزم فإنه دليل عليه لا له, فدعوى النسخ تحتاج إلى دليل ولا دليل, وأما رده للقياس فقد خالف فيه جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم, فالقياس دليل شرعي باتفاق أهل العلم الذين يعتد برأيهم. [4]
وعلى هذا فالراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن لقرابة الأصول أثرًا في منع عقوبة القذف؛ وذلك لحرمة الأصول كما سبق.
(1) - المدونة الكبرى للإمام مالك 6/ 28.
(2) - المغني لابن قدامة 8/ 220.
(3) - بدائع الصنائع 7/ 55 - شرح فتح القدير 5/ 325 - حاشية الباجوري 4/ 286 - المهذب للشيرازي 2/ 272 - 273 - قال الشيرازي: (( وإن قذف زوجته فماتت وله منها ولد سقط الحد لأنه لما لم يثبت له عليه الحد بقذفه لم يثبت له عليه بالإرث عن أمه وإن كان لها ابن آخر من غيره وجب له لأن حد القذف يثبت لكل واحد من الورثة على الانفراد - مغني المحتاج 4/ 156.
(4) - مناهج العقول للبدخشي ومعه نهاية السؤال للسنوي شرح منهاج الوصول للبيضاوي 3/ 12 وما بعدها.