فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 352

والعلة الموجبة لتعظيم حق الوالدين على الأبناء: أنهما السبب الظاهر في إيجاد الأبناء وعيشتهم ولا يكاد يكون نعمة لأحد من الخلق أعظم من نعمة الوالد على ولده. [1]

ويؤيد هذا أن الله قرن شكرهما بشكره وأوجب الإحسان إليهما بعد الأمر بعبادته سبحانه فقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .. (( الإسراء: 23) وقوله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (( لقمان:14)

وقد بين على لسان نبيه (أن:(( رضا الله في رضا الوالدين, وسخط الله في سخط الوالدين ) ). [2]

وقال الإمام الألوسي: (( الإحسان المأمور به أن يقوم الابن بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما, ولا يخشن في الكلام معهما, ويسعى في تحصيل مطلبهما, والإنفاق عليهما بقدر القدرة ) ). [3] ومعنى لا تقل لهما أف: لا تؤذيهما بقليل ولا بكثير وقل لهما قول العبد المذنب مع السيد الفظ الغليظ.

ويعترض على هذا الاستدلال:

بأن الوالدين إنما طلبا اللذة لأنفسهما فلزم منه دخول الولد في عالم الموجودات ودخوله في عالم الآفات والأخطار فاي إنعام لهما عليه؟

وقد حكي أن واحدًا من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة. [4]

وقيل لأبي العلاء المعري [5] : ولم يكن ذا ولد- ما تكتب على قبرك؟ فقال: اكتبوا عليه:

هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد [6]

(1) - روح المعاني للألوسي 4/ 28 - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري 15/ 49 - سبل السلام للصنعاني 4/ 1535 - بتصرف.

(2) - أخرجه الترمذي كتاب البر والصلة, باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين بلفظ: رضا الرب في رضا الوالد, وسخط الرب ... جـ4/ 274 - وقال أبوعيسى .... وهكذا أصح.

(3) - روح المعاني للألوسي 4/ 28 - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري ص 15/ 49.

(4) - روح المعاني للألوسي 5/ 61.

(5) - تعريف القدماء بأبي العلاء ص 156 - نقلا عن مرآة الزمان لسبط بن الجوزي.

(6) - يراجع: معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (1/ 51) وفيه: قال ابن غرس النعمة: وأذكر عند ورود الخبر بموته وقد تذاكرنا إلحاده ومعنا غلام يعرف بابي غالب بن نبهان من أهل الخير والعفة، فلما كان من الغد حكى لنا قال: رأيت في منامي البارحة شيخًا ضريرًا وعلى عانقه أفعيان متدليان إلى فخذيه، وكل منهما يرفع فمه إلى وجهه فيقطع منه لحمًا يزدرده، وهو يستغيث فقلت وقد هالني: من هذا؟ فقيل لي: هذا المعري الملحد.

وقال القفطي: أتيت قبره سنة خمسين وستمائة، فإذا هو في ساحة من دور أهله وعليه باب، فدخلت فإذا القبر لا احتفال به، ورأيت عليه خبازى يابسة والموضع على غاية ما يكون من الشعث والإهمال. قال الذهبي: وقد رأيت أنا قبره بعد مائة سنة من رؤية القفطي فرأيت نحوًا مما حكى، انتهى.

ويقال: إنه أوصى أن يكتب على قبره من مجزوء الكامل: هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت