الآفاقيّ إنّما يقطع في ضمنه ومنشأ حصول هذا السّير في الإبتداء هو اندراج النّهاية في البداية (وخاصّة أخرى) لهذا الطّريق الخلوة في الجلوة الّتي هي متفرّعة على تيسّر السّفر في الوطن فيسافر في بيت الخلوة الوطنيّ في عين تفرقة الخلوة ولا يتطرّق تفرقة الآفاق إلى حجرة الأنفس وهذه الخلوة وإن كانت متيسّرة لمنتهى طرق أخر ولكن لمّا تيسّرت في هذا الطّريق في الإبتداء صارت من خواصّ هذا الطّريق (وينبغي أن يعلم) أنّ الخلوة في الجلوة إنّما هي على تقدير غلق أبواب بيت الخلوة الوطنيّ وسدّ طاقاته يعني لا يلتفت في تفرقة الجلوة إلى أحد ولا يكون مخاطبا فيها ولا متكلّما لا أنّه يغمض عينيه ويعطّل بالتّكلّف حواسّه فإنّ ذلك مناف لهذا الطّريق (أيّها الأخ) إنّ كلّ هذا التّمحّل والتّكلّف إنّما هو في الإبتداء والوسط وأمّا في الإنتهاء فلا شيء يلزم فيه من هذه التّمحّلات بل فيه جمعيّة في عين التّفرقة وحضور في نفس الغفلة ولا يتوهّم أحد من هذا أنّ التّفرقة وعدم التّفرقة متساويتان في حقّ المنتهي مطلقا فإنّ الأمر ليس كذلك بل المراد أنّ التّفرقة وعدم التّفرقة متساويتان في حصول نفس جمعيّة الباطن ومع ذلك لو جمع الظّاهر مع الباطن ودفعت التّفرقة أيضا عن الظّاهر لكان أولى وأنسب قال الله سبحانه إرشادا لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: واُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (1) .
(وينبغي) أن يعلم أنّه لا يكون في بعض الأوقات بدّ من تفرقة الظّاهر لتؤدّى حقوق الخلق فصارت تفرقة الظّاهر مستحسنة أيضا في بعض الأوقات وأمّا تفرقة الباطن فليست بجائزة في وقت من الأوقات أصلا فإنّه خالص للحقّ سبحانه فكانت ثلاثة حصص من العباد المسلمين للحقّ سبحانه تمام الباطن ونصف الظّاهر والنّصف الثّاني منه بقي لأداء حقوق الخلق ولكن لمّا كان في أداء تلك الحقوق امتثال أوامر الحقّ سبحانه كان ذلك النّصف الآخر أيضا راجعا إلى الحقّ سبحانه إليه يرجع الأمر كلّه فاعبده وتوكّل عليه وما ربّك بغافل عمّا تعملون (وفي) هذا الطّريق تقدّم الجذبة على السّلوك وابتداء السّير من عالم الأمر لا من عالم الخلق بخلاف أكثر طرق أخر وقطع منازل السّلوك مندرج فيه في ضمن طيّ معارج الجذبة. وسير عالم الخلق ميسّر في ضمن سير عالم الأمر فبهذا الإعتبار لو قيل إنّ في هذا الطّريق اندراج النّهاية في البداية لساغ فعلم من البيان السّابق آنفا أنّ سير الإبتداء (2) مندرج في هذا الطّريق في سير الإنتهاء لا انّهم ينزلون من سير الإبتداء إلى سير الإنتهاء ويسيرون في البداية بعد تمام سير النّهاية فبطل زعم من قال إنّ نهاية هذا الطّريق بداية طرق سائر المشائخ. (فإن قيل) قد وقع في عبارة بعض مشائخ هذه الطّريقة أنّ سيرهم في الأسماء والصّفات يقع بعد تمام نسبتهم فصحّ أنّ نهايتهم بداية غيرهم فإنّ السّير في الأسماء والصّفات في الإبتداء بالنّسبة إلى السّير في التّجلّيات الذّاتيّة (أجيب) أنّ السّير في
(1) الآية: 8 من سورة المزمل.
(2) اى السير الذى يقع في الابتداء في سائر الطرق وهو سير عالم الخلق مندرج في سير الانتهاء في تلك الطرق وهو سير عالم الامر فلا يلزم المحذور المذكور (القزاني رحمة الله عليه)