فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 1087

الخلق بعد العروج إلى مقامات القرب الّتي تتعلّق بالولاية ولم يعلموا أنّ نهاية العروج وغاية القرب في هذا الموطن والقرب الحاصل فيما سبق كان ظلّا من ظلال هذا القرب الّذي يتصوّر بصورة البعد:

والعروج الّذي تيسّر أوّلا كان عكسا من عكوس هذا العروج الّذي يرى في الظّاهر نزولا ألا ترى أنّ مركز الدّائرة أبعد النّقطة بالنّسبة إلى محيط الدّائرة والحال أنّه لا نقطة في الحقيقة أقرب إلى المحيط من نقطة المركز لأنّ المحيط تفصيل تلك النّقطة الإجماليّة وهذه النّسبة لم تتيسّر لنقطة أخرى والعوامّ الّذين اقتصر نظرهم على الصّورة لا يقدرون على وجدان هذا القرب وإدراكه فيحكمون بأبعديّة تلك النّقطة ويزعمون الحكم بأقربيّتها جهلا مركّبا ويحمّقون الحاكم بهذا الحكم ويجهّلونه والله المستعان على ما يصفون. ينبغي أن يعلم أنّ المطمئنّة تعرج عن مقامها بعد حصول شرح الصّدر الّذي هو من لوازم كمالات الولاية الكبرى وترتقي إلى تخت الصّدر ويحصل لها هناك التّمكين والسّلطنة وتستولي على ممالك القلب وتخت الصّدر هذا في الحقيقة فوق جميع مقامات عروج مرتبة الولاية الكبرى وينفذ نظر الصّاعد إلى هذا التّخت إلى أبطن البطون ويسري إلى غيب الغيب نعم إنّ الشّخص إذا صعد إلى أرفع الأمكنة ينفذ بصره إلى أبعد الأبعاد وبعد تمكين هذه المطمئنّة يخرج العقل أيضا من مقامه ويلحق بها وينضمّ إليها ويعرض له حينئذ اسم عقل المعاد وتتوجّه كلاهما بالإتّفاق بل بالاتّحاد إلى شغلهما.

(أيّها الولد) إنّ هذه المطمئنّة لا يبقى فيها إمكان المخالفة ومجال الطّغيان بل هي متوجّهة إلى المطلوب بكلّيّتها ومشغوفة بالمقصود بتماميّتها لا همّة لها غير تحصيل رضا ربّها ولا مطلوب لها سوي طاعته وعبادته تعالى سبحان الله. إنّ الامّارة الّتي كانت أوّلا شرّ جميع الخلائق صارت بعد الإطمئنان وحصول رضاء حضرة الرّحمن رئيس لطائف عالم الأمر ورأس كافّة الأقران نعم قد قال المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام «خياركم (1) في الجاهليّة خياركم في الإسلام إذا فقهوا» .

فإن وقعت بعد ذلك صورة الخلاف والبغي فمنشؤها اختلاف طبائع العناصر الأربعة الّتي هى أجزاء القالب فإن كانت قوّة غضبيّة فناشئة من هناك وإن كانت شهويّة فهي أيضا ثائرة من هناك وان حرصا وشرها فقائمان من هناك وان خسّة ودناءة فمنبعثتان من هناك ألا ترى أنّ سائر الحيوانات ليست فيهنّ هذه النّفس الأمّارة.

ومع ذلك فيهنّ هذه الأوصاف الرّذيلة بالوجه الأتمّ والأكمل فيمكن أن يكون المراد بالجهاد الأكبر حيث قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"الجهاد مع القالب لا الجهاد مع النّفس كما قيل لأنّ النّفس قد بلغت حدّ الإطمئنان وصارت راضية مرضيّة فلا تتصوّر منها صورة المخالفة والبغي حتّى يحتاج إلى الجهاد وصورة الخلاف والبغي من أجزاء القالب عبارة عن إرادة"

(1) (قوله خياركم في الجاهلية الحديث) رواه الشيخان عن ابى هريرة رضى الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت