وجزئيّاتها مع الأوقات المخصوصة بكلّ واحد منها في آن واحد بسيط على وجه يعلم زيدا مثلا في ذلك الآن موجودا ومعدوما وجنينا وصبيّا وشابّا وشيخا وحيّا وميّتا وقائما وقاعدا ومستندا ومضطجعا وضاحكا وباكيا ومتلذّذا ومتألّما وعزيزا وذليلا وفي البرزخ وفي الحشر وفي الجنّة وفي التّلذّذات فيكون تعدّد التّعلّق أيضا مفقودا في ذلك الموطن فإنّ تعدّد التّعلّقات يستدعي تعدّد الآنات وتكثّر الأزمنة وليس ثمّة الّا آن واحد بسيط من الأزل إلى الأبد لا تعدّد فيه أصلا إذ لا يجري عليه تعالى زمان ولا تقدّم ولا تأخّر فإذا أثبتنا لعلمه تعالى تعلّقا بالمعلومات يكون ذلك تعلّق واحد ويصير به متعلّقا بجميع المعلومات وذلك التّعلّق أيضا مجهول الكيفيّة ومنزّه عن المثال والكيف كصفة العلم. (ولندفع) استبعاد هذا التّصوير بضرب مثل (وأقول) إنّه يجوز أن يعلم شخص الكلمة مع أقسامها المتباينة وأحوالها المتغايرة واعتباراتها المتضادّة في وقت واحد فيعلم الكلمة في ذلك الوقت اسما وفعلا وحرفا وثلاثيّا ورباعيّا ومعربا ومبنيّا ومتمكّنا وغير متمكّن ومنصرفا وغير منصرف ومعرفة ونكرة وماضيا ومستقبلا وأمرا ونهيا بل يجوز أن يقول ذلك الشّخص إنّي أرى هذه الأقسام والإعتبارات في مراتب الكلمة في وقت واحد بالتّفصيل فإذا كان جمع الأضداد متصوّرا في علم الممكن كيف يكون مستبعدا في علم الواجب ولله المثل الأعلى.
(ينبغي) أن يعلم: أنّ هنا وإن كان جمع الضّدّين صورة ولكنّ الضّدّيّة مفقودة بينها في الحقيقة فإنّه تعالى وإن علم زيدا موجودا ومعدوما في آن واحد ولكنّه تعالى علم في ذلك الآن أنّ وقت وجوده مثلا بعد ألف سنة من الهجرة ووقت عدمه السّابق قبل تلك السّنة المعيّنة ووقت عدمه اللّاحق بعد ألف ومائة سنة فلا تضادّ بينهما في الحقيقة لتغاير الزّمان وعلى هذا القياس سائر الأحوال فافهم.
(فاتّضح) من هذا التّحقيق أنّ علمه تعالى لا يتطرّق إليه شائبة التّغيّر بتعلّقه بالجزئيّات المتغيّرة ولا تتوهّم مظنّة الحدوث فيه كما زعمت الفلاسفة فإنّ التّغيّر إنّما يتصوّر على تقدير تعلّق علمه تعالى بواحد بعد الآخر وأمّا إذا تعلّق علمه تعالى بالكلّ في آن واحد فلا يتصوّر فيه التّغيّر والحدوث فلا حاجة حينئذ إلى إثبات تعلّقات متعدّدة له حتّى يكون التّغيّر والحدوث راجعا إلى تلك التّعلّقات لا إلى صفة العلم كما فعله بعض المتكلّمين لدفع شبهة الفلاسفة نعم إذا أثبتنا تعدّد التّعلّقات في جانب المعلومات فله مساغ وكذلك كلامه تعالى واحد بسيط وهو تعالى متكلّم بهذا الكلام الواحد من الأزل إلى الأبد فإن أمرا فناش من هناك وإن نهيا فناش أيضا من هناك وإن إعلاما فمأخوذ أيضا من هناك وإن استعلاما فمن هناك وإن تمنّيا فمستفادا من هناك وإن ترجّيا فمن هناك أيضا وجميع الكتب المنزّلة والصّحف المرسلة ورقة من ذلك الكلام البسيط فإن توراة فهي منتسخة منه وإن إنجيلا فمن هناك أخذ صورة الألفاظ وإن زبورا فمن هناك مسطور وإن قرآنا فمنزّل من هناك شعر:
لكلام مولانا الإله واحد ... حقّا ولكنّ في النّزول تعدّدا