الطّلب ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الّذي هو محبوب ربّ العالمين وأفضل الموجودات وسيّد الأوّلين والآخرين مع كونه مشرّفا بدولة المعراج البدنيّ وتجاوزه العرش والكرسيّ وعلوّه على الزّمان والمكان يعني خلوّه وخروجه منهما للعلماء اختلاف في رؤيته عليه الصّلاة والسّلام مع وجود الإشارة القرآنيّة إليها وأكثرهم قائلون بعدمها قال الإمام الغزاليّ: الأصحّ إنّه عليه الصّلاة والسّلام ما رأى ربّه ليلة المعراج وهؤلاء القاصرون يرون الله سبحانه كلّ يوم بزعمهم الباطل مع وجود القيل والقال بين العلماء في رؤية محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة فقبّحهم الله سبحانه ما أجهلهم. وأيضا يعلم من كلمات هؤلاء الجماعة أنّ نسبة الكلام الّذي يسمعونه إلى الله سبحانه عندهم كنسبة الكلام إلى المتكلّم وهذا عين الإلحاد معاذ الله سبحانه من أن يصدر عنه كلام بطريق تكلّم فيه ترتيب الحروف والتّقدّم والتّأخّر فإنّ ذلك من علامات الحدوث والّذي أوقعهم في الاغلوطات هو كلمات المشائخ الكبار فإنّهم أيضا أثبتوا له سبحانه الكلام والمكالمة. ولكن ينبغي أن يعلم: انّ المشائخ لا يقولون إنّ نسبة الكلام إليه تعالى كنسبته إلى المتكلّم بل يقولون إنّه كنسبة المخلوق إلى الخالق يقينا ولا محذور في ذلك أصلا فإنّ موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام سمع من الشّجرة كلام الحقّ سبحانه وتعالى ونسبة هذا الكلام إلى الحقّ سبحانه كنسبة المخلوق إلى الخالق لا كنسبة الكلام إلى المتكلّم وكذلك الكلام الّذي كان يسمعه من جبريل عليه السّلام نسبته إلى الحقّ كنسبة المخلوق إلى الخالق. غاية ما في الباب أنّ ذلك الكلام أيضا كلام الحقّ سبحانه ومنكره كافر وزنديق وكأنّ كلام الحقّ مشترك بين الكلام النّفسيّ والكلام اللّفظيّ الّذي يوجده الحقّ سبحانه من غير توسّط أمر ما فيكون الكلام اللّفظيّ أيضا في الحقيقة كلام الحقّ سبحانه وتعالى فيكون منكره كافرا بالضّرورة فافهم فإنّ هذا التّحقيق ينفعك في كثير من المواضع والله سبحانه الموفّق وينبغي أن يعلم أنّ الوجود الّذي نثبته في الممكنات هو وجود ضعيف كسائر صفات الممكنات وما مقدار علم الممكن في جنب علم الواجب تعالى وأيّ اعتبار للقدرة الحادثة في جنب القدرة القديمة وكذلك وجود الممكن في جنب وجود الواجب لا شيء محض فكيف يقع النّاظر في الشّكّ من تفاوت مراتب هذين الوجودين أنّ إطلاق الوجود على هذين الفردين هل هو بطريق الحقيقة أو على أحدهما بطريق الحقيقة وعلى الآخر بطريق المجاز ألا ترى أنّ الجمّ الغفير من الصّوفيّة تيقّنوا بالشّقّ الثّاني وقالوا: إنّ إطلاق الوجود على وجود الممكن إنّما هو بطريق المجاز ولا يثبت الوجود للممكنات الّا العوامّ وأخصّ الخواصّ والمراد بأخصّ الخواصّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومن كان مشرّفا بولايتهم الأصليّة من أممهم وطوى دائرة الظّلال بالتّمام فأمّا العوامّ فنظرهم مقصور على الظّاهر فيزعمون أنّ وجود الواجب ووجود الممكن قسمان من الوجود المطلق ويظنّون كليهما موجودين. وأمّا أخصّ الخواصّ فأبصارهم حديدة فيجدون كلا الوجودين من أفراد الوجود المطلق ويعدّون تفاوت مراتب أفراد الوجود المطلق راجعا إلى صفات الوجود واعتباراته لا إلى حقيقته وذاته حتّى يكون في أحدهما