فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1087

الوصول إلى مقام الرّوح وحال المحبّة والإنجذاب أيضا كحال الشّهود وشهود الحقّ سبحانه بل محبّته والإنجذاب إليه تعالى مربوط بحصول الفناء المعبّر عنه بنهاية السّير إلى الله، شعر:

ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل

وإطلاق الشّهود في هذا المقام من ضيق ميدان العبارة والّا معاملة هؤلاء الأكابر متعارفة بما وراء وراء الشّهود وكما أنّ مقصدهم لا مثليّ ولا كيفيّ كذلك اتّصالهم أيضا لا مثليّ ولا كيفيّ لا سبيل للمثاليّ إلى اللّامثاليّ لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه، شعر.

إنّ للرّحمن مع أرواح ناس ... اتّصالا دون كيف وقياس

وإحاطته تعالى وسريانه وقربه ومعيّته عند المحقّقين أرباب السّلوك الواصلين إلى نهاية الأمر كلّها علميّة وهم موافقون لعلماء أهل الحقّ شكر الله سعيهم والحكم بالقرب الذّاتيّ وأمثاله عندهم من عدم الحاصل والبعد والمقرّبون لا يحكمون بالقرب قال واحد من الكبراء: من قال أنا قريب فهو بعيد ومن قال أنا بعيد فهو قريب وهذا هو التّصوّف والعلم المتعلّق بالتّوحيد الوجوديّ منشؤه المحبّة والإنجذاب القلبيّ.

وأرباب القلوب الّذين لا جذبة لهم بل يقطعون المنازل بطريق السّلوك لا مناسبة لهذا العلم بهم وكدلك المجذوبون المتوجّهون بالسّلوك من القلب إلى مقلّب القلب بالكلّيّة يتبرّءون من هذه العلوم ويستغفرون منها. وبعض المجذوبين وإن سلكوا طريق السّلوك وطووا المنازل ولكن لا ينقطع نظرهم عن المقام المألوف ولا يقدرون التّوجّه إلى الفوق فلا يترك أمثال هذه العلوم أذيالهم ولا يقدرون الخروج من هذه الورطة والتّخلّص منها؛ ولهذا يكون فيهم ضعف وعرج في العروج إلى مدارج القرب والصّعود إلى معارج القدس (ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظّالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليّا واجعل لنا من لدنك نصيرا) . وعلامة الوصول إلى نهاية المطلب التّبرّي من هذه العلوم فإنّه كلّما تحصل زيادة المناسبة بالتّنزيه يوجد عدم مناسبة العالم بالصّانع أزيد ولا معنى حينئذ في اعتقاد انّ العالم عين الصّانع أو في ظنّ أنّ الصّانع محيط بالعالم بالذّات ما للتّراب وربّ الأرباب.

معرفة: قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه الأقدس: نحن ندرج النّهاية في البداية ومعنى هذه العبارة هو أنّ الإنجذاب والمحبّة اللّذين يتيسّران للمنتهين في الإنتهاء مندرجان في هذا الطّريق في الإنجذاب والمحبّة اللّذين يحصلان في الإبتداء فإنّ انجذاب المنتهي روحيّ وفي المبتدي جذب قلبيّ ومن حيث انّ القلب برزخ بين الرّوح والنّفس يحصل في ضمن الجذب القلبيّ الجذب الرّوحىّ أيضا وتخصيص هذا الإندراج بهذا الطّريق مع أنّه حاصل في جميع الجذبات بهذا المعنى مبنيّ على أنّ أكابر هذه الطّريقة وضعوا طريقا خاصّا لحصول هذا المعنى وعيّنوا مسلكا مخصوصا للوصول إلى هذا المطلب ويحصل هذا المعنى لغيرهم على سبيل الإتّفاق وليس لهم في ذلك ضابطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت