تمييزا بين الموجود والموهوم حتّى وجدت الموجود الحقيقيّ ممتازا من الموهوم المتخيّل ورأيت الصّفات والأفعال والآثار الّتي ترى من الموهوم صادرة عن الحقّ سبحانه ووجدت تلك الصّفات والأفعال أيضا موهومة ولم أر في الخارج موجودا غير ذات واحدة ولمّا عرضت ذلك قال: هذا هو مرتبة الفرق بعد الجمع ونهاية السّعي إلى هنا وبعد ذلك يظهر ما استودع في قابليّة كلّ شخص واستعداده وقال مشائخ الطّريقة لهذا المرتبة"مقام التّكميل»."
ينبغي أن يعلم أنّ هذا الدّرويش لمّا نظرت إلى كلّ ذرّة من ذرّاتي بعدما أخرجت في المرّة الاولى من السّكر إلى الصّحو وبعد ما شرّفت بعد الفناء بالبقاء لم أجد غير الحقّ ووجدت جميع الذّرّات مرآة لشهوده سبحانه ثمّ أخرجت من ذلك المقام إلى الحيرة ولمّا رجعت إلى نفسي يعني صحوت من الحيرة وجدت الحقّ سبحانه مع كلّ ذرّة من ذرّات وجودي لا فيها وكان المقام السّابق في النّظر أسفل وأدنى من هذا المقام الثّاني ثمّ أخرجت إلى الحيرة ولمّا أفقت وجدت الحقّ سبحانه في تلك المرّة لا متّصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخل العالم ولا خارجه وصارت نسبة المعيّة والإحاطة والسّريان على نهج كنت وجدتها أوّلا منتفية بالكلّيّة ومع ذلك كان مشهودا بتلك الكيفيّة بل كأنّه محسوس وكان العالم أيضا مشهودا في ذلك الوقت ولكن لم يكن للحقّ سبحانه شيء من تلك النّسب المذكورة ثمّ وقعت في الحيرة ولمّا أخرجت إلى الصّحو صار معلوما أنّ للحقّ سبحانه نسبة بالعالم وراء النّسب المذكورة وهذه النّسبة مجهولة الكيفيّة وكان تعالى مشهودا بالنّسبة المجهولة الكيفيّة ثمّ أخرجت إلى الحيرة وعرض لي في تلك المرتبة نحو من القبض ولمّا رجعت إلى نفسي صار الحقّ سبحانه مشهودا بغير تلك النّسبة المجهولة الكيفيّة على طور لا نسبة له بالعالم أصلا لا معلومة الكيفيّة ولا مجهولة الكيفيّة وكان العالم مشهودا في ذلك الوقت بتلك الخصوصيّة وحصل لي في ذلك الوقت علم خاصّ عناية من الله سبحانه وبسبب هذا العلم لم يبق بين الحقّ سبحانه والخلق مناسبة أصلا مع وجود كلا الشّهودين وصار معلوما في ذلك الوقت أنّ هذا المشهود مع هذه الصّفة ومع هذا التّنزيه ليس هو ذات الحقّ سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو صورة مثاليّة لتعلّق تكوينه تعالى الّذي هو وراء التّعلّقات الكونيّة سواء كان ذلك التّعلّق معلوم الكيفيّة أو مجهول الكيفيّة هيهات هيهات،
(شعر) :
كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف
أيّها الأخ الأعزّ إنّي إن أجريت القلم في تفصيل الأحوال وتبيّن المعارف لانجرّ إلى التّطويل والإطناب وعلى الخصوص لو بيّنت معارف التّوحيد الوجوديّ وعلوم ظلّيّة الأشياء لعلم الّذين مضى عمرهم في التّوحيد الوجوديّ أنّهم لم ينالوا قطرة من ذلك البحر الّذي لا نهاية له والعجب أنّ تلك