الوجود في الجملة: ألّف جماعة منهم السّماع والرّقص وجعل طائفة مشغولة بتصنيف الكتب وتحرير العلوم والمعارف وشغّل بعضهم بأمور مباحة كان الشّيخ عبد الله الاصطخريّ (1) يذهب إلى الصّحراء ومعه كلاب يصطاد بهنّ فسأل شخص واحد من الأعزّة عن سرّه فقال: ليتخلّص عن ثقل الوجود لحظة وروّح بعضهم بعلوم التّوحيد الوجوديّ وشهود الوحدة في الكثرة ليستريح من تلك الأثقال ساعة ومن هذا القبيل ما ظهر من بعض أكابر مشائخ النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة من المعارف التّوحيديّة فإنّ نسبتهم تجرّ إلى التّنزيه الصّرف لا تعلّق لها بالعالم وشهود العالم وما كتبه معدن الإرشاد ومنبع الحقائق والمعارف ناصر الدّين الخواجه عبيد الله أحرار من المعارف المناسبة بعلوم التّوحيد الوجوديّ، وشهود الوحدة في الكثرة من القسم الأخير من التّوحيد وكتاب الفقرات له مشتمل على بعض علوم التّوحيد وغيرها منشأ علوم ذلك الكتاب. والمقصود من تلك المعارف استيناسه وألفته بالعالم
وكذلك معارف شيخنا المحرّرة في بعض الرّسائل على طبق كلام كتاب الفقرات وليس منشأ هذه العلوم التّوحيديّة الجذبة ولا غلبة المحبّة ولا نسبة لمشهودهم بالعالم وما يرى لهم في مرآة العالم إنّما هو شبه مشهودهم ومثاله لا مشهودهم الحقيقيّ كما أنّ شخصا إذا كان عاشقا لجمال الشّمس ومن كمال المحبّة أفنى نفسه في الشّمس بحيث لم يترك من نفسه اسما ولا رسما فإذا أريد تسليته وأنسه وألفته بما سوى الشّمس ليتنفّس من غلبة تشعشع أنوارها لمحة ويستريح منها لحظة يرى له الشّمس في مجالي هذا العالم ويحصل له بتلك العلاقة أنس وألفة بهذا العالم ويقال له أحيانا: إنّ هذا العالم عين الشّمس ولا موجود غيرها أصلا وأحيانا يرى له جمال الشّمس في مرآة ذرّات العالم. لا يقال: إنّ العالم إذا لم يكن عين الشّمس في نفس الأمر يكون الإخبار بأنّه عين الشّمس خلاف الواقع لأنّا نقول: إنّ لبعض أفراد العالم مع بعض آخر اشتراكا في بعض الامور وامتيازا في بعض آخر والحقّ سبحانه بكمال قدرته يخفي عن نظر هؤلاء الأكابر الامور الباعثة على الإمتياز بواسطة بعض الحكم والمصالح ويبقى الأجزاء المشتركة فقط مشهودة فيحكمون باتّحاد بعضها لبعض بالضّرورة فتجد الشّمس فيما نحن فيه بهذه العلاقة عين العالم وكذلك الحقّ سبحانه وإن لم يكن له مناسبة بالعالم في الحقيقة أصلا ولكنّ المشابهة الإسميّة قد تصير مصحّحة لهذا الإتّحاد فإنّ الحقّ سبحانه مثلا موجود والعالم أيضا موجود وإن لم يكن بين الوجودين في الحقيقة مناسبة أصلا وكذلك هو تعالى عالم وسميع وبصير وحيّ وقادر ومريد وبعض أفراد العالم أيضا متّصف بهذه الصّفات وإن كان صفات كلّ منهما مغايرة لصفات الآخر ولكن لمّا كانت خصوصيّة الوجود الإمكانيّ ونقائص المحدثات مستورة عن نظرهم ساغ لهم لو حكموا بالإتّحاد وهذا القسم الأخير من التّوحيد أعلى أقسام التّوحيد بل ليس أرباب هذه المعرفة في الحقيقة مغلوبي هذا الوارد ولم يكن الباعث على هذه المعرفة سكرهم بل اورد عليهم هذا الوارد لأجل مصلحة ما وأريد إخراجهم من
(1) عبد الله الاصطخرى هكذا في نسخ المكتوبات وفى نسخ النفحات عبد الرحيم والله اعلم بالصواب (القزاني رحمة الله عليه)