الْمَوْتى (1) (والفرق الثاني) هو أنّ الحقيقة الجامعة تتأثّر بالذّكر وإذا بلغ الذّكر كماله تتّحد بالذّكر وتتجوهر به قال صاحب العوارف - قدّس سرّه - لهذا المقام: «المقصد الاسنى"وعبّر عنه بذكر الذّات تعالت بخلاف المضغة فإنّه لا سبيل إليها للذّكر فأين التّأثّر وأين التّجوهر بعد؟! بل فيها ظهور المذكور بالأصالة لا بالظّلّيّة ونهاية عروج الذّكر إلى دهليز المذكور (والفرق الثالث) أنّ الحقيقة الجامعة إذا بلغت نهاية النّهاية ونالت من الولاية الخاصّة (2) نصيبا وافرا فان حصلت حينئذ مرآتيّة للمطلوب يكون الظّاهر فيها ظلّ المطلوب لا عينه كالمرآة الظّاهرة فإنّ الظّاهر فيها شبح الشّخص لا عينه بخلاف المضغة فإنّ الظّاهر فيها عين المطلوب لا ظلّه على خلاف المرآة الظّاهرة ولهذا قال: «يسعني قلب عبدي المؤمن"وهذه المعاملة وراء طور نظر الفكر وإيّاك وتخيّل الحلول (3) والتّمكّن هنا فإنّه كفر وزندقة وإن لم يصدّق عقل المعاش بأنّ عين شيء يظهر في شيء ولا يكون له فيه حلول ولا تمكّن وهذا من قصور العقل وقياس الغائب على الشّاهد فلا تكن من القاصرين (والفرق الرّابع) أنّ الحقيقة الجامعة من عالم الامر والمضغة من عالم الخلق بل كلّ من عالم الخلق والامر جزئيها: الخلق جزؤها الاعظم والامر جزؤها الاصغر ومن اجتماع هذين الجزئين حصلت لها هيئة وحدانيّة وصارت أعجوبة الدهر وهذه الاعجوبة وإن كانت مغايرة لعالم الخلق والامر وليس لها تناسب وتشابه بواحد منهما بواسطة الهيئة التّركيبيّة ولكنّها معدودة من عالم الخلق لانّ الجزء الارضيّ هو العمدة في هذه المعاملة وتواضع التّراب باعث على رفعته (والفرق الخامس) أنّ وسعة الحقيقة الجامعة باعتبار ظهور صورة الاشياء فيها ووسعة المضغة الّتي تنكشف بعد تضيّقها باعتبار سعتها للمطلوب الذي هو غير محدود وغير متناه وذلك التّضيّق دهليز تضيّقها حيث إنّه مانع لدخول ما سوى المطلوب حتّى لا يترك الذّكر أن يدخل في سرادقات المذكور ولا يبقى شائبة الظّلّيّة أن تحوم حول ذلك الحريم المقدّس وأيضا إنّ وسعة الاولى - لمّا كانت فيها شائبة الكيف - لا تليق أن تكون مرآة للكيفيّ وحيث كان للثّانية نصيب من اللّاكيفيّ لا تسع الكيفيّ والعجب أنّه يطرأ على هذا القلب بعد الرّجوع للدّعوة ظلمة وغين؛ ومن هنا قال سيّد البشر - عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات: «إنّه ليغان على قلبي» (4) وإلى متى أبيّن الفرق ما للتّراب وربّ الارباب (أيّها الاخ) إيّاك وتخيّل هذه المضغة قطعة لحم لا يعبأ بها فإنّها جوهرة نفيسة مخزونة فيها
(1) الآية 260 من سورة البقرة.
(2) راجع تعريف الولاية والولي في معجم مصطلحات الصوفية للكاشاني ص 79 وراجع التعريف بالولاية اللعامة والخاصة في كتاب ختم الأولياء للحكيم الترمذي ص 106.
(3) الحلول: يعني ظهور الباريسبحانه - في صورة شخص. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. انظر: المعجم الفلسفي: 68
(4) صحيح مسلم. كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار. باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ح 2702. سنن أبي داوود: جماع أبواب فضائل القرآن: ب: في الإستغفار ح 1515. مسند أحمد مسند الشاميين حديث الأغر المزني.