فيها أبد الآباد وتخفيف العذاب عنهم غير جائز قال تعالى لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ (1) ومن كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان فإن أدخل النّار بسبب إفراطه في المعاصي يعذّب بقدر عصيانه ثمّ يخرج من النّار أخيرا ولا يسودّ وجهه كما يسودّ وجه الكفّار ولا يجعل فيه الاغلال والسّلاسل لحرمة إيمانه كما تجعل للكفّار (والملائكة) عباد الله سبحانه المكرّمون لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (2) مبرّأون من صفات الذّكورة والأنوثة والتّوالد والتّناسل مفقود في حقّهم اصطفى الله سبحانه بعضهم للرّسالة وشرّفه بتليغ الوحي وهم الذين بلّغوا الكتب والصّحف الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وهم محفوظون عن الخطأ والخلل ومعصومون عن كيد العدوّ ومكره وما بلّغوه من عند الحقّ سبحانه وتعالى كلّه صدق وصواب ليس فيه شائبة احتمال الخطأ والإشتباه وهؤلاء الكبراء خائفون من عظمة الحقّ وجلاله سبحانه لا شغل لهم غير امتثال أوامره تعالى (والإيمان) تصديق بالقلب وإقرار باللّسان بما بلغنا من الدين بالتّواتر والضّرورة إجمالا وتفصيلا وأعمال الجوارح خارجة من نفس الإيمان ولكنّه تزيد الكمال في الإيمان وتورث فيه الحسن قال الإمام الاعظم الكوفيّ عليه الرّحمة: «الإيمان لا يقبل الزّيادة والنّقصان"فإنّ التّصديق القلبيّ عبارة عن يقين القلب وإذعانه ولا مجال فيه للتّفاوت بالزّيادة والنّقصان وما يقبل التّفاوت فهو داخل في دائرة الظّنّ والوهم وكمال الإيمان ونقصانه باعتبار الطّاعات والحسنات كلّ ما زادت الطّاعة زاد كمال الإيمان فلا يكون إيمان عامّة المؤمنين مثل إيمان الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّ إيمانهم بلغ ذروة الكمال بواسطة اقتران الطّاعات وإيمان العوامّ بمراحل عن نفس الكمال فضلا عن ذروته وإن كان إيمان كلّ منهما متشاركين في نفس التّصديق ولكنّ إيمان الانبياء عرض له بواسطة طوق الطّاعات حقيقة أخرى وكأنّ إيمان العوامّ ليس فردا من ذلك الإيمان والمماثلة والمشاركة مفقودة بينهما ألا ترى أنّ عوامّ النّاس وإن كانوا شركاء للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في نفس الإنسانيّة ولكنّ الكمالات الاخر للأنبياء بلّغتهم الدرجات العليا وأثبتت لهم حقيقة أخرى وكأنّهم خارجون عن الحقيقة المشتركة بل هم النّاس والعوامّ لهم حكم النّسناس قال الإمام الاعظم عليه الرّحمة: أنا مؤمن حقّا وقال الإمام الشّافعيّ عليه الرّحمة: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ولكلّ وجه باعتبار الحال يجوز أن يقال: أنا مؤمن حقّا وباعتبار الخاتمة والمآل يصحّ أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله ولكنّ الإجتناب عن صورة الإستثناء أفضل بأيّ وجه قال (ولا يخرج) المؤمن بارتكاب المعاصي من الإيمان ولو كبيرة ولا يدخل في دائرة الكفر نقل أنّ الإمام الاعظم كان يوما جالسا مع جمع من العلماء فجاء شخص فقال: ما تقولون في حقّ مؤمن فاسق قتل أباه بغير حقّ وقطع رأسه وشرب الخمر في كأس رأسه ثمّ زنا بأمّه هل هو مؤمن أو كافر؟ فتكلّم كلّ واحد من العلماء في حقّه بما ليس بصواب ووقعوا في غلط فقال الإمام الاعظم في ذلك"
(1) النحل: 85
(2) التحريم: 6