فإنّه كلّ ما كان العدم أقوى يكون التّعلّق بمرتبة الوهم أتمّ وإذا ضعف يكون التّعلّق أقلّ وكثير من الأولياء الذين جاوزوا مراتب العدم ولم يبق فيهم شيء من العدم غير الاثر وإن لم يكونوا داخلين في مرتبة نفس الامر ما دام هذا الاثر باقيا ولكنّهم يتجاوزون مرتبة الوهم ويصلون إلى نقطتها الأخيرة ويصيرون من نظّار مرتبة نفس الامر ويحصّلون نصيبا من هذا المقام ويكون محسوسا أنّ الانبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام وكذلك بعض متابعي الانبياء وإن كان أقلّ وصلوا إلى نهاية مرتبة نفس الامر ولكلّ منهم هناك موطن خاصّ ومقام على حدة على تفاوت درجاتهم ويشاهد الحروف والكلمات القرآنيّة أيضا هناك يرى مقام هؤلاء فوق مقام الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وكأنّها خرجت من هذا المقام وصارت برزخا بين هذا المقام وبين مقام فوقه قبل الوصول إليه واختارت الإقامة هناك فإنّ المقام الفوقانيّ مخصوص بذات الواجب وصفاته تعالى ولا موجود في الخارج غيره سبحانه وتعالى ولمّا كانت في هذه الحروف والكلمات سمات الحدوث ليست فيها قابليّة الوصول إلى ذلك المقام ولكنّها أسبق قدما من جميع موجودات تلك المرتبة ولها تمسّك بأذيال مدلولاتها والكبراء الذين يقيمون في منتهى مرتبة نفس الامر ناظرون إلى مرتبة فوقانيّة وكأنّهم بكلّيّتهم صاروا أبصارا من كمال شوقهم إليها والعجب أنّ هؤلاء الاكابر مع وجود هذا التّوطّن والإقامة لهم بحكم"المرء مع من أحبّ"معيّة مع محبوبهم مجهولة الكيفيّة وهم معه بلا أنفسهم ومأنوسون ومألوفون به بلا اتّحاد الاثنينيّة ولمّا لوحظ في ذلك الاثناء معيّة الحروف والكلمات القرآنيّة بتلك المرتبة المقدّسة علم أنّه لا نسبة لهذه المعيّة بمعيّة الآخرين وأنّها عالية جدّا لا يمكن إدراكها لكونها مربوطة بابطن البطون وأين المجال هناك لفهم المخلوقين ومن علوّ شأن هذه الحروف والكلمات المقدّسة ورد القرآن كلام الله غير مخلوق ويعلم أنّ الكلام النّفسيّ هو هذه الحروف والكلمات كما حقّقه القاضي عضد وقال: إنّ هذه الحروف والكلمات هي الكلام القديم النّفسيّ بلا تقديم وتأخير وجعل التّقديم والتّأخير عائدا إلى قصور الآلات الحادثة.
(فإن قيل) لو كانت هذه الحروف والكلمات كلاما نفسيّا ينبغي أن تكون داخلة في مرتبة الخارج وقد مرّ آنفا أنّها لا تكون داخلة في ذلك المقام فما وجه ذلك؟ (قلت) إنّ هذه الحروف والكلمات حيث كانت مركوزة في الاذهان بالتّقديم والتّأخير يظهر بهذه الملاحظة في النّظر الكشفيّ عدم دخولها في مرتبة الخارج بالضّرورة ولما لوحظت مرّة ثانية بلا ملاحظة التّقديم والتّأخير شوهدت داخلة فيها وملحقة بأصلها بل متّحدة بها فأيّ نسبة لمعيّتها بمعيّة الآخرين فإنّ فيها اتّحادا ولا مجال للاتّحاد في معيّة الآخرين سبحان الله إذا كان هذه الحروف والكلمات القرآنيّة نفس الكلام القديم السّبحانيّ يكون ظهوره في هذه النّشأة بخلاف سائر الصّفات القديمة بنفسه فإنّ الحروف والكلمات على هذا التّقدير نفسه وليس له نقاب غير التّقديم والتّأخير العارضين من جهة قصور آلة التّكلّم فأقرب الاشياء إلى جناب قدس الحقّ جلّ وعلا الذي هو القرآن المجيد أجلى وأظهر في عالم الظّلال بأصالته من غير أن يصيبه غبار الظّلّيّة وجعل التّقديم