فهرس الكتاب

الصفحة 961 من 1087

والتّأخير حجابا لعيون المحجوبين ولهذا كان أفضل العبادة تلاوة القرآن المجيد وكانت شفاعته أسرع قبولا من شفاعة الآخرين سواء كانت شفاعة ملك مقرّب أو نبيّ مرسل ولا يمكن تفصيل النّتائج والثمرات المترتّبة على تلاوة القرآن وكثيرا ما توصل التّالي إلى محلّ لا مجال فيه لذرّة (فإن قيل) هل هذه الدولة مخصوصة بالحروف والكلمات القرآنيّة واشتركت معها في هذه الدولة حروف سائر الكتب المنزّلة وكلماتها وكانت كلاما نفسيّا كمثلها؟ (قلت) للكلّ شركة في هذه الدولة والفرق الذي يتمثّل في نظر كشفيّ هو أنّ القرآن المجيد كأنّه مركز الدائرة وسائر الكتب المنزّلة بل جميع ما يقع به التّكلّم من الازل إلى الابد كأنّه محيط تلك الدائرة وسائر النّقط كأنّها تفصيله وهو إجمالها قال الله تعالى وإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (1) (فإن قيل) قد علم من التّحقيق السّابق أنّ الشّهود والمشاهدة في ضمن المظاهر الجميلة - كما قالوا - غير واقع في هذه النّشأة ولا قابليّة في هؤلاء لمظهريّة تلك المرتبة المقدّسة فهل لها تحقّق في هذه النّشأة في غير هذه المظاهر أو لا؟ (قلت) إنّ معتقد هذا الفقير هو أنّ نصيب هذه النّشأة الإيقان فقط والرّؤية البصريّة والمشاهدة الّتي هي عبارة عن الرّؤية القلبيّة على تفاوت الدرجات نتيجة ذلك الإيقان وثمراته المربوطة بالآخرة نقل صاحب التّعرّف الذي هو من أكابر هذه الطّائفة العليّة في كتابه إجماع المشائخ في هذا الباب وقال: وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار ولا بالقلوب إلّا من جهة الإيقان (فإن قيل) إنّ من المقرّر عند هذه الطّائفة العليّة أنّ لليقين مراتب ثلاثا: علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين وقالوا: إنّ علم اليقين عبارة عن الاستدلال بالاثر على المؤثّر كيقين حاصل بوجود النّار مثلا من طريق الاستدلال بالعلم بوجود الدخان وعين اليقين عبارة عن رؤية النّار نفسها مثلا وحقّ اليقين عبارة عن التّحقّق بالنّار مثلا فإذا فقدت الرّؤية القلبيّة أيضا كيف يتحقّق عين اليقين؟ وكيف يصدق إجماع المشائخ على عدم الرّؤية مطلقا؟ (قلت) لعلّ مراده بالإجماع إجماع المشائخ المتقدّمين والمتأخّرون حكموا على خلاف ذلك وجوّزوا الرّؤية القلبيّة وهذا الحكم لم يثبت عند هذا الفقير وهذه الدرجات الثلاث الّتي بيّنوها لليقين كلّها داخلة في علم اليقين لم تخرج بعد من الاستدلال ولم تتحوّل من العلم إلى العين وما قالوا في تمثيل عين اليقين من رؤية النّار ليس هو رؤية النّار بل رؤية الدخان الّتي استدلّوا بها على وجود النّار فكما أنّه كان في علم اليقين استدلال من العلم بوجود الدخان على وجود النّار كذلك هنا استدلال من رؤية الدخان على وجود النّار وهذا اليقين الثاني أتمّ من اليقين الاوّل لقوّة دليله فإنّ هناك علما بالدّليل وهنا رؤية الدليل وكذلك في حقّ اليقين تحقّق بالدّخان لا بالنّار واستدلال به على النّار وهذا اليقين أتمّ من كلّ من اليقينين السّابقين وأكمل فإنّه استدلال بنفسه الذي صار دخانا على وجود النّار وبين الانفس والآفاق فرق واضح قال الله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ

(1) الآية: 196 من سورة الشعراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت