الْحَقُّ (1) وقال الله تعالى وفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (2) وكلّ ما يرى في الآفاق والانفس آيات المطلوب لأنفس المطلوب فكان المرئيّ في الآفاق والانفس هو الدخان الذي هو آية النّار لا النّار فتكون المعاملة في الآفاق والانفس هي الاستدلال الذي هو حقيقة علم اليقين وأمّا حقّ اليقين فينبغي تشخيصها فيما وراء الآفاق والانفس سبحان الله كيف قرّر الاكابر وجدان المطلوب في الانفس واعتقدوا خارج الانفس ممّا لا حاصل فيه قال واحد منهم (شعر)
لا تطف في كلّ صوب مثل أع ... مى فإنّ الكلّ معك في العبا
وقال الآخر (شعر)
چون جلوهء ان جمال بيرون ز تو نيست ... پا در دامن وسر در جيب اندر كش
وقال الثالث (شعر)
فلو سعت ذرّة في عمرها طلبا ... خيرا وشرّا ترى في نفسها اكتمانا
قال صاحب الفصوص: التّجلّي من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له وقال غيره من الاكابر إنّ أهل الله كلّ ما يرون بعد الفناء والبقاء يرون في أنفسهم وكما يعرفون يعرفونه في أنفسهم وحيرتهم في وجود أنفسهم وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (3) (وعند هذا الفقير) الانفس أيضا كالآفاق ممّا لا حاصل فيه خالية عن وجدان المطلوب فيها ولا نصيب منه لها والذى في الآفاق والانفس هو الاستدلال على المطلوب والدلالة على المقصود والوصول إلى المطلوب مربوط بما وراء الآفاق والانفس ومنوط بما سوى السّلوك والجذبة فإنّ السّلوك سير آفاقيّ والجذبة سير أنفسيّ فيكون السّلوك والجذبة والسّير الآفاقيّ والانفسيّ كلّها داخلة في السّير إلى الله وما قالوا: إنّ السّلوك والسّير الآفاقيّ في السّير إلى الله والجذبة والسّير الأنفسيّ في السّير في الله ماذا نصنع ظهر لهم كذلك وظهر لي هكذا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا (4) (وأين القدرة) لمثلي المسكين الآكل من فضلتهم أن يتكلّم على خلاف مذاقهم ولكن لمّا ترقّت المعاملة من التّقليد قال ما ناله خالف القوم أو وافقهم والتزام أبى يوسف بعد ترقّيه من التّقليد موافقة أبي حنيفة الذي هو أستاذه خطأ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (5) (فإن قيل) إذا كان هذه الدرجات الثلاث من اليقين داخلة في علم اليقين فما يكون عين اليقين عندك؟ (قلت) إنّ عين اليقين عبارة عن تلك الحالة الّتي هي للدّخان مع النّار فإذا انتهى المستدلّ إلى منتهى درجة الدليل الذي هو الدخان
(1) الآية: 53 من سورة فصلت.
(2) الآية: 20 21 من سورة الذاريات.
(3) الآية: 21 من سورة الذاريات.
(4) الآية: 32 من سورة البقرة.
(5) الآية: 286 من سورة البقرة.