فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 393

الأولى، والواو التي بعدها مبدلة من الهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة، والهمزة الوسطى هي المحذوفة وإنما قلبت الهمزة الساكنة واوا لسكونها وانضمام ما قبلها.

فإذا قلت: نؤمن وتؤمن، ويؤمن، جاز لك فيه وجهان:

أحدهما الهمز على الأصل.

والثاني قلب الهمزة واوا تخفيفا، وحذفت الهمزة الوسطى حملا على أومن، والأصل يوأمن فأما أومن فلا يجوز همز الثانية بحال لما ذكرنا.

والغيب هنا: مصدر بمعنى الفاعل، أي يؤمنون بالغائب عنهم.

ويجوز أن يكون بمعنى المفعول أي المغيّب كقوله: { «هََذََا خَلْقُ اللََّهِ» } أي مخلوقه. ودرهم ضرب الأمير أي مضروبه.

{وَيُقِيمُونَ} : أصله يؤقومون، وماضيه أقام، وعينه واو لقولك فيه: يقوم، فحذفت الهمزة كما حذفت في أقيم لاجتماع الهمزتين، وكذلك جميع ما فيه حرف مضارعة لئلا يختلف باب أفعال المضارعة. وأما الواو فعمل فيها ما عمل في نستعين، وقد ذكرناه.

وألف الصلاة منقلبة عن واو لقولك:

صلوات، والصلاة مصدر صلى ويراد بها هاهنا الأفعال والأقوال المخصوصة فلذلك جرت مجرى الأسماء غير المصادر.

{وَمِمََّا رَزَقْنََاهُمْ} : «من» متعلقة بينفقون والتقدير: وينفقون مما رزقناهم فيكون الفعل قبل المفعول، كما كان قوله: يؤمنون، ويقيمون كذلك، وإنما أخّر الفعل عن المفعول لتتوافق رؤوس الآي.

وما بمعنى الذي.

ورزقنا يتعدّى إلى مفعولين وقد حذف الثاني منهما هنا، وهو العائد على «ما» ، تقديره:

رزقناهموه، أو رزقناهم إياه.

ويجوز أن تكون «ما» نكرة موصوفة بمعنى شىء أي: ومن مال رزقناهم فيكون رزقناهم في موضع جرّ صفة لما.

وعلى القول الأول لا يكون له موضع لأن الصلة لا موضع لها، ولا يجوز أن تكون ما مصدرية لأن الفعل لا ينفق.

ومن للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء غاية الإنفاق.

وأصل ينفقون: يؤنفقون، لأن ماضيه أنفق، وقد تقدّم نظيره.

4 {بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} : «ما» هاهنا بمعى الذي ولا يجوز أن تكون نكرة موصوفة، أي بشيء أنزل إليك لأنه لا عموم فيه على هذا، ولا يكمل الإيمان إلا أن يكون بجميع ما أنزل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما للعموم، وبذلك يتحقق الإيمان.

والقراءة الجيدة أنزل إليك، بتحقيق الهمزة.

وقد قرئ في الشاذ أنزل ليك بتشديد اللام.

والوجه فيه أنه سكّن لام أنزل، وألقى عليها حركة الهمزة، فانكسرت اللام، وحذفت الهمزة، فلقيتها لام إلى فصار اللفظ بما أنزل ليك، فسكنت اللام الأولى، وأدغمت في اللام الثانية.

والكاف هنا ضمير المخاطب، وهو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويجوز أن يكون ضمير الجنس المخاطب، ويكون في معنى الجمع.

وقد صرح به في آي أخر كقوله: { «لَقَدْ أَنْزَلْنََا إِلَيْكُمْ كِتََابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ» } .

{وَبِالْآخِرَةِ} : الباء متعلقة بيوقنون ولا يمتنع أن يعمل الخبر فيما قبل المبتدأ، وهذا يدلّ على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز إذ المعمول لا يقع في موضع لا يقع فيه العامل.

والآخرة صفة، والموصوف محذوف، تقديره:

وبالساعة الآخرة، أو بالدار الآخرة، كما قال:

{ «وَلَلدََّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ» } . وقال: { «وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» } .

{هُمْ يُوقِنُونَ} : هم مبتدأ ذكر على جهة التوكيد، ولو قال: وبالآخرة يوقنون لصحّ المعنى والإعراب، ووجه التوكيد في «هم» تحقيق عود الضمير إلى المذكورين لا إلى غيرهم، ويوقنون الخبر.

وأصله يؤيقنون، لأن ماضيه أيقن، والأصل أن يؤتى في المضارع بحروف الماضي، إلا أنّ الهمزة حذفت لما ذكرنا في يؤمنون، وأبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها.

5 {أُولََئِكَ} : هذه صيغة جمع على غير لفظ واحده، وواحده ذا ويكون أولئك للمؤنث والمذكر، والكاف فيه حرف للخطاب وليست اسما إذ لو كانت اسما لكانت إمّا مرفوعة أو منصوبة ولا يصحّ شىء منهما إذ لا رافع هنا ولا ناصب وإما أن تكون مجرورة بالإضافة، وأولاء لا تصح إضافته لانه مبهم، والمبهمات لا تضاف فبقى أن تكون حرفا مجرّدا للخطاب.

ويجوز مدّ أولاء، وقصره في غير القرآن.

وموضعه هنا رفع بالابتداء، و {عَلى ََ هُدىً} الخبر، وحرف الجر متعلق بمحذوف، أي أولئك ثابتون على هدى.

ويجوز أن يكون أولئك خبر الذين يؤمنون بالغيب، وقد ذكر.

فإن قيل: أصل «على» الاستعلاء، والهدى لا يستعلى عليه، فكيف يصحّ معناها هاهنا؟

قيل: معنى الاستعلاء حاصل لأنّ منزلتهم علت باتّباع الهدى.

ويجوز أن يكون لما كانت أفعالهم كلّها على مقتضى الهدى كان تصرّفهم بالهدى كتصرف الراكب بما يركبه.

{مِنْ رَبِّهِمْ} : في موضع جرّ صفة لهدى، ويتعلق الجارّ بمحذوف تقديره: هدى كائن، وفي الجارّ والمجرور ضمير يعود على الهدى.

ويجوز كسر الهاء وضمّها على ما ذكرنا في عليهم في الفاتحة.

{وَأُولََئِكَ} : مبتدأ، و {هُمُ} مبتدأ ثان، و {الْمُفْلِحُونَ} خبر المبتدأ الثاني، والثاني وخبره خبر الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت