قال ابن القيم: (( لا ريب أن من أتلف مضمونًا كان ضمانه عليه لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (( الإسراء: 15, وفاطر:18) وبهذا جاء الشرع فتحمل العاقلة للدية ليس مناقضًا لشيء من هذا ))ثم قال: (( والعقل فارق بين غيره من الحقوق, وذلك؛ لأن دية المقتول مال كثير والخطأ يعذر فيه الإنسان, فكان من محاسن الشريعة, وقيامها بمصالح العباد أن أوجبت بدله على من عليهم موالاة القاتل ونصرته كإيجاب النفقات على الأقارب, وكسوتهم, وإعفافهم إذا طلبوا النكاح ) ) [1]
قال الجصاص: (( ولهذا التحمل نظائر في الشرع منها:
[أ] أن الله أمر بصلة الأرحام, بكل وجه ممكن, كما أمر ببر الوالدين, وهذه أمور مندوب إليها للمواساة وإصلاح ذات البين, فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية للمواساة من غير إجحاف.
[ب] ولقد كان تحمل العاقلة للدية مشهورًا في العرب قبل الإسلام, وكان ذلك مما يعدونه من جميل الخصال ومكارم الأخلاق, وقد قال (:(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ). [2]
[ج] وفي إيجاب الدية على العاقلة زوال الضغينة والعداوة من بعضهم لبعض إذا كانت موجودة قبل ذلك, وهذا سبب داع للألفة وإصلاح ذات البين. [3]
قال الخطيب: (( والأصح أن الدية تجب على الجاني, ثم تتحملها العاقلة معونة له من غرم إصلاح ذات البين, بخلاف العامد فإنه ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلا للتحمل عنه؛ لأنه قاصد للجناية ومتعمد لها. [4]
وبخلاف بدل المتلف من الأموال فإنه قليل في الغالب لا يكاد يعجز عن حمله, وشأن النفوس غير شأن الأموال؛ ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند مالك وأحمد لقلته واحتمال الجاني لحمله, ولا مادون أرش الموضحة, أو نصف عشر الدية عند أبي حنيفة لنفس المعنى. [5]
(1) - أعلام الموقعين لابن القيم 3/ 17 - بتصرف.
(2) - أخرجه أحمد 2/ 381 بلفظ: صالح الأخلاق ط المكتب اٌسلامي بيروت - ومالك 2/ 904 بلفظ: بعثت لأتمم حسن الأخلاق ط- الحلبي تـ محمد فؤاد عبد الباقي.
(3) -- أحكام القرآن للجصاص 2/ 225. بتصرف.
(4) - مغني المحتاج 4/ 95 - المغني لابن قدامة 7/ 771.
(5) - المغني لابن قدامة 7/ 771 - بدائع الصنائع 7/ 256 وما بعدها بتصرف.- مغني المحتاج 4/ 95.