وذهب الشافعية إلى التفريق بين من جهل النسب والرضاع, فإن جهل المحرمة عليه بنسب كمن عقد على أخته, فالأصح لا يقبل قوله؛ لأن النسب لا يخفى غالبًا.
[4] أما إذا ادعى الجهل بالرضاع ففيه قولان:
قال الأذرعي [1] : (( الأقرب تصديقه إن كان ممن يخفى عليه ذلك ) )
قال القليوبي: (( وإن ادعى مسقطًا كجهل تحريم أو نسب صدق إن أمكن ذلك ) ) [2]
[5] وأما إذا علم بحرمة النكاح والمحرمية, وكان جاهلا عين الموطوءة, كمن وطئ من لا يعلم أنها محرمة عليه بعينها, كالمختلطة بأجنبيات, فإما أن يكن محصورات أو غير محصورات, فإن اختلطت محرم بنسوة قرية كبيرة أي غير محصورات جاز له النكاح منهن باجتهاد وبغيره للضرورة. والضرورات تبيح المحظورات. ذهب إلى ذلك الشافعية والحنابلة. [3] ولأنه لو منع من الزواج في هذه الحالة لتضرر والضرر يزال ولأنه ربما انحسم عليه باب النكاح.
وذهب الحنفية إلى: أنه لا يجوز له النكاح ولا الوطء مطلقًا؛ وعللوا ذلك بأن التحري والاجتهاد في الفروج لايجوز؛ لأنه لا يجوز في كل ما جاز للضرورة والفروج لا تحل بالضرورة. [4]
[6] وأما إذا اختلط بنسوة محصورات فقد اتفق الفقهاء على أنه لا ينكح منهن ولا يحل له الوطء احتياطًا لحرمة الأبضاع؛ لأن الأصل في الأبضاع التحريم؛ ولأنه لا مشقة في اجتناب المحصورات بخلاف الحالة الأولى. [5]
ففي الحالات السابقة جميعًا تحقق ركن الجريمة, لكن وجدت شبهة مانعة من العقوبة, وهي الجهل سواء بالتحريم أو بالمحرمية أوبعين الموطوءة, فليس للقرابة أثر في هذه الحالات, وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا كان الفاعلين لجريمة الزنا جاهلين بالتحريم فلا شيء عليهما. أما إذا كان أحدهما جاهلا, والآخر عالمًا فقد اختلفوا في أثر الجهل هل يختص بالجاهل أم يتعداه إلى الآخر على قولين:
(1) - الأذرعي: هو أحمد بن حمدان بن عبد الواحد بن عبد الغني, شافعي المذهب نسبة إلى أذرعات بالشام, ولد بها سنة 708 هـ وتوفي سنة 783 هـ ـ الأعلام 1/ 117.
(2) - مغني المحتاج 4/ 146 - روضة الطالبين 7/ 312 - حاشيتا قليوبي وعميرة 4/ 180.
(3) - الأشباه والنظائر للسيوطي ص 116 - مغني المحتاج 3/ 179 - القواعد لابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هـ ص 256 - قاعدة 106 - الطبعة الأولى 1391 هـ.
(4) - الأشباه والنظائر لابن نجم الحنفي ص 123, ص 75.
(5) - الأشباه والنظائر لابن نجم الحنفي ص 121 - 123 - مغني المحتاج 3/ 179 - القواعد لابن رجب ص 59 - قاعدة 109.