الرد على أبي حنيفة: أن العقد لا يكون شبهة في هذه الحالة؛ لأن الشبهة إنما تكون في أمر يشبه الحلال من بعض الوجوه, وذوات المحارم لا تحل بوجه من الوجوه ولا في حال من الأحوال قياسًا على من استأجر أمة فزنا بها, وإن لقب بالإجارة ولم يكن ذلك مسقطًا للحد, وإن كانت المنافع تستباح بالإجارات, [1] لكن فرق بين المنفعة وحل الانتفاع. وأن العقد على المحرم لايخفف الحكم لأنه ورد على غير محله للمحرمية والعلم بها.
المذهب الثالث: ذهب الحنابلة في رواية, والزيدية في رواية, وابن حزم: إلى أن أن القرابة مؤثرة على عقوبة من عقد على ذات محرم, وهؤلاء اختلفوا في أمرين: في العقوبة الموجبة, والقرابة المؤثرة: [2]
أولا: ... العقوبة الواجبة على من عقد على ذات محرم.
اختلف القائلون بأثر القرابة في عقوبة من عقد على ذات محرم على وجهين:
الوجه الأول: ذهب ابن حزم إلى أن العقوبة القتل وتخميس ماله ولا فرق بين كونه محصنًا أوغير محصن. [3] واستدل على ذلك بما رواه معاوية بن قرة [4] أن رول الله (بعث أباه إلى رجل عرس بامرأة أبيه, فضرب عنقه وخمس ماله. [5]
واعترض عليه الجمهور: بأنه ذكر في سياق الحديث أنه عرس بامرأة أبيه, وتعريسه بها لا يدل على وطئه إياها وغير الوطء لا يحد به فضلا عن القتل, فحيث ثبت القتل فتيقن أنه للردة وليس للوطء أولاسحلاله له. [6]
أجاب ابن حزم: بأن هذا لا يخلو من نظر, فالحكم لما كان عدم الحد والقتل لغير الوطء, فالقتل جائز أن يكون للوطء وأن يكون للردة, ولا يتعين كونه لواحد منهما بخصوصه, لكن
(1) - معالم السنن للخطابي 3/ 329.
(2) - المغني لابن قدامة 8/ 182 - البحر الزخار 6/ 143.
(3) - المحلى لابن حزم 11/ 255 - 256.
(4) - معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب بن عبيد يكنى أبا إياس. قال سعد: كان ثقة وله أحاديث كثيرة- الطبقات الكبرى لابن سعد 7/ 221.
(5) - معالم السنن للخطابي 3/ 329, 254, وفي المستدرك 3/ 357, وبهامشه التلخيص للذهبي.
(6) - شرح فتح القدير 5/ 260.