القول الثاني: ذهب المالكية [1] في رواية, والحنابلة [2] , وأبو يوسف [3] , ومحمد [4] , و والزيدية في رواية [5] إلى: أن القرابة لها أثر في محو الجناية على النفس وما دونها الحاصلة بسبب التأديب المشروع من ذي الولاية إذ لا يعد الفعل الصادر من ذي الولاية في التأديب جنايةموجبة للضمان, وإن أدى إلى تلف النفس أو عضو من أعضائها فلا ضمان ما دام لم يسرف في التأديب.
قال ابن قدامة:"وليس على الزوج ضمان زوجته إذا تلفت من التأديب المشروع في النشوز ولا المعلم إذا أدب صبيه الأدب المشروع, وإن ضربه ضربًا شديدًا لا يكون أدب للصبي ضمن؛ لأنه قد تعدى في الضرب."
قال القاضي: وكذلك يجيء على قياس قول أصحابنا إذا ضرب الأب أوالجد الصبي تأديبًا فهلك, أو الحاكم أو أمينه, أو الوصي فلا ضمان عليهم كالمعلم. [6]
فالضرب الذي يكون في حدود الأدب المشروع إن أفضى إلى تلف النفس أومادونها لا يعد جناية موجبة للضمان .. ومعنى نفي الضمان أنه لا ضمان أصلا لكون الفعل في أصله مباحًا أولا يضمن بالقصاص أو الدية أو الكفارة.
فعلى التأويل الأول أنه لا ضمان أصلا تكون القرابة مؤثرة في نفي الجناية مطلقًا, فلا يعد ما انتهى إليه التأديب المشروع جناية؛ لأنه صادر من ذي الولاية, ومأذون في الفعل من الشارع.
وعلى التأويل الثاني أنه لا ضمان أصلا بالقصاص ولا بالدية ولا بالكفارة يكون أثر القرابة في نفي أثر الجناية, فهي وإن كانت جناية بالمعنى العام في ثبوت الإثم لحرمة الدماء إلا أنها ليست بجريمة كما عرفها الماوردي فليست موجبة للحد ولا التعزير.
ويحتمل أن يكون معنى عدم الضمان أي: لا يقتص منه ويجب عليه الدية والكفارة, وعلى هذا التأويل لا يكون للقرابة أثر على الجناية ... لكن الصواب أن معنى نفي الضمان أنه لا قصاص
(1) - شرح منح الجليل 4/ 555.
(2) - المغني لابن قدامة 8/ 327.
(3) - الفتاوى الهندية 6/ 34 - بدائع الصنائع 7/ 305.
(4) - محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد الله الشيباني صاحب أبي حنيفة وأخذ الفقه منه, وكان من أعلم الناس بكتاب الله تعالى, ولد سنة 131 هـ. الفوائد البهية ص 123.
(5) - البحر الزخار 6/ 249.
(6) - المغني لابن قدامة 8/ 328 - الأحكام السلطانية للماوردي ص 282.