فالدفاع الشرعي وإن كان هو السبب في الإباحة إلا أنهم فرقوا في درجة الدفع بين القريب والأجنبي مما يجعل للقرابة أثرًا في محو وصف الجناية, فأصل الدفاع عندهم أنه جائز ... فإذا كن في القرابة فهو واجب, بمعنى أ، ه إذا صال شخص على نفس أو بضع الغير جاز لككل شخص أن يدفعه, ويتدرج في الدفع ولا يدفع بالأشد مع إمكان دفعه بالأخف سواء كان صائلا على النفس أو البضع ... فإذا كان المصول عليه قريبًا وجب الدفاع عنه سواء كان رجلا أو امرأة وللمدافع عنه بلا تدرج, وإن أتى عليه الدفع فهلك فلا ضمان (لاقصاص ولا دية ولا كفارة)
وكذلك في الدفاع عن المال لو خاف بتلفه هلاك نفسه أو أهله وجب الدفع ... فالقرابة لها ميزة على غيرها في أن الدفع بلا تدرج إن أدى إلى جناية لا ضمان فيها بخلاف الأجنبي ففيها الضمان إن كان يندفع بدونها ..
والعلة في التفريق بينهما:
إن الدفاع عن الغير من باب تغيير المنكر باليد, سواء كان دفاعًا عن النفس أو البضع, ويشترط ألا يؤدي إلى جناية أكبر من المنكر الواقع لقوله (:(( من رأى منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ) [1]
أما إذا كان في القرابة فهو من باب الدفاع بحق أي: دفع الاعتداء سواء على النفس أو البضع؛ لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (( سورة البقرة: 194)
قال ابن عابدين: لو رأى رجلا يزني بامرأته فقتلهما فهدر - ومفاده الفرق بين الأجنبية والزوجة والمحرم, ففي الأجنبية لا يحل القتل إلا بشرط الانزجار- ألا ينزجر إلا بالقتل ولم يشترط ذلك في الزوجة والمحرم. [2]
فإن عدل عن الترتيب في الدفع كأن ضرب بما يقتل مع إمكان الأخف كان ضامنًا في الأجنبية أما في القرابة فلا يضمن .... وقال خليل - رحمه الله- وجاز دفع صائل عن نفس أو عرض أو حريم بعد الإنذار ندبًا. [3]
قال الخرشي: والمراد بالجواز الإذن الصادق فلا يدفع إلا بعد الإنذار ما لم يعالج الصائل المصول عليه بالقتل- فله قتله .. أما إذا صال على نفسه أو عرضه أو أهله وجب الدفع. [4]
(1) - أخرجه مسلم كتاب الإيمان, باب كون النهي عن المنكر ج 1 ص 69 رقم (49)
(2) - حاشية ابن عابدين 3/ 179. بتصرف.
(3) - حاشية الخرشي 5/ 354. بتصرف.
(4) - حاشية الخرشي 5/ 354 ..