فهرس الكتاب

الصفحة 1051 من 5777

عن الصيام - عن التائبين1

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

التوبة, الصوم

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

من الأيام المستحب صومها عشر ذي الحجة والاثنين والخميس والآثار في ذلك - فضل الصدقة

وتفطير الصائم. فضل دعوة الصائم - هديه صلى الله عليه وسلم في الفطر والسحور - وجوب

الحذر من المحرمات بأنواعها , وتعارض ذلك مع حكمة فرض الصيام - توبة أبي سفيان

بن الحارث ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم , وما فيها من دروس وعِبَر - صلته بالرسول

صلى الله عليه وسلم - عداؤه للرسول صلى الله عليه وسلم , وإهدار الرسول صلى الله عليه

وسلم دمه - قصة توبته وإعراض النبي عنه - غزوة حُنَين وبلاؤه فيها , والدروس المستفادة

من الغزوة

أما بعد:

فمما سنه لنا رسول الله من الصيام - سوى صيام شهر رمضان - صيام العشر الأوائل من ذي الحجة وصيام يوم الاثنين من كل أسبوع.

قال: (( هو يوم وُلدت فيه وفيه أُنزل عليَّ ) ) [1] .

وصيام يوم الخميس من كل أسبوع، ففي السنن أنه أخبر بأن الاثنين والخميس يومان تُعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، قال: (( وأنا أحب أن يُعرض عملي فيهما وأنا صائم ) ) [2] .

واعلموا أن من أعظم القُرب أثناء الصيام الصدقة وأن تفطِّر صائمًا، قال: (( من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ) ) [3] .

واعلم أيها المؤمن الصائم أن لك أثناء صومك دعوة مستجابة فبادر بالدعاء والرجاء، قال رسول الله: (( ثلاثة لا تُرد دعوتهم: إمام عادل، والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم يرفعها الله يوم القيامة دون السحاب وتُفَّتح لها أبواب السماء ويقول: الله بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ) ) [4] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: (( إن للصائم عند فطره دعوة لا تُرد ) ) [5] .

واعلموا أن من سنن المصطفى في شهر رمضان تعجيل الفطر وتأخير السحور [6] .

بعض الناس يتهاون في هذه السنة فيتسحر قبل أن ينام، وأفضل من ذلك فعل المصطفى ؛ فقد كان يأمر بالسحور ويقول إن السحور بركة [7] ويتسحر في آخر الليل قُبيل طلوع الفجر في فترة يمكنه فيها تناول الطعام والشراب [8] .

وقال: (( من أفطر فليفطر على تمر فإن لم يجد فعلى ماء فإنه طهور ) ) [9] .

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه كان رسول الله يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء [10] .

وعليك أيها الصائم أن تحذر أثناء صومك من سائر المحرمات من الغيبة والنميمة والظلم وأكل أموال الناس بالباطل وأكل الربا وغير ذلك من المعاصي والمناهي واعلم أنك إذا لم تدع ذلك فليس لله عز وجل حاجة في جوعك وفي عطشك قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) )[11.

وقول الزور والعمل به يشمل سائر المحرمات لأنه ما من محرم حرمه الله عز وجل إلا وهو إما قول زور وإما فعل زور.

وقال الله عز وجل بعد أن فرض الصوم على المؤمنين علل ذلك الفرض بقوله: لعلكم تتقون ، فإذا لم يكن الصيام لك أيها المؤمن فرصة لكي ينمي روح التقوى في نفسك فتلجم به قلبك عن الوساوس والشبهات والخواطر الشيطانية وتلجم به جوانحك عن المحرمات فلا نصيب لك من الصيام إلا الجوع وإلا العطش أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا لصيام هذا الشهر المبارك وقيامه على الوجه الذي يرضيه عنا وأن يكتب لنا يوم القيامة الدخول من باب الريان، فإنه باب الصائمين في الجنة لا يدخل منه غيرهم. أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح مسلم (1162) .

[2] مسند أحمد (5/201) ، سنن الترمذي (747) وقال: حسن غريب ، سنن النسائي (2358) .

[3] مسند أحمد (4/114) ، سنن الترمذي (807) وقال: حسن صحيح ، سنن ابن ماجة (1746) .

[4] مسند أحمد (2/305) سنن الترمذي (3598) ، سنن ابن ماجة (1752) .

[5] مسند أحمد (2/477) دون قوله (( عن فطراه ) )واللفظ الذي ذكره الخطيب في سنن ابن ماجة (1753) ، ولكن من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص.

[6] صحيح البخاري (1957) ، صحيح مسلم (1089) .

[7] صحيح البخاري (1923) ، صحيح مسلم (1095) .

[8] صحيح البخاري (575) ، صحيح مسلم (1097) .

[9] مسند أحمد (4/17، 18) سنن الترمذي (658) وقال: حديث حسن ، سنن ابن ماجة (1699) .

[10] سنن الترمذي (696) وقال: حسن غريب.

[11] صحيح البخاري (1903) .

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فنروي لكم اليوم قصة أخرى ثابتة صحيحة عن توبة واحد من أصحاب رسول الله بل هو أكثر من ذلك صلة بالرسول إنه من أهله وذوي قرابته أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ابن عم رسول الله وأخوه من الرضاع [1] . أرضعتهما حليمة السعيدة فنشأ أبو سفيان تربًا لرسول الله أي يشبهه في مولده وفي رضاعه وفي سنه.

ونشأ مع النبي وكان الرسول يألفه ويحبه ويأنس إليه.

ويا لها من وشائج وصلات عظيمة تقرب الرجل من قلب رسول الله ومن هنا نفهم ونتصور كم كان حرص المصطفى الرحيم الرءوف الحريص على هداية قومه فما بالك بأهله وذوي قرابته، كما كان حرصه على هداية سفيان بن الحارث بن عمه وأخيه من الرضاع.

ولكن يشاء الله أن يأبى أبو سفيان بن الحارث الهداية، ويناصب النبي المصطفى العداوة بل ويبالغ في محاربة الله ورسوله، وفي إيذاء الرسول وإيذاء أصحابه بكل ما أتيح له من وسائل حتى بشعره وقد كان شاعرًا.

وكم كان قدر الألم والحسرة في قلبه الشريف وهو يرى ابن عمه وأخاه في الرضاع وأليفه وأنيسه يناصبه العداوة ويبالغ في النكاية بالمسلمين وكم كان قلبه الشريف يقطر حزنًا وأسى وهو يصدر حكمه بقتل أبو سفيان بن الحارث، أهدر دمه لعظم نكايته بالمسلمين وإيذاءه للرسول والصحابة لا محاباة في دين الله عند النبي المصطفى. وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى [الأنعام: 152] .

ولكن يشاء الله عز وجل قبل أن تصل السيوف المسلمة إلى أبي سفيان بن الحارث ألقى الله في قلبه الإسلام، يروي هو ذلك فيقول: فقلتُ أصحب من ومع من أكون وقد ضرب الإسلام بجرانه؟ (أي توطدت أركانه وانتشر) قال: فجئت أهلي وأولادي فقلتُ لهم: تهيأوا للخروج فقد أظل قدوم محمد.

وكان ذلك قبيل فتح مكة والرسول قد خرج من هذه المدينة المباركة بجيوش الإسلام متوجهًا إلى مكة.

وبادر أبو سفيان بن الحارث إلى لقاء الرسول قبل أن يصل إلى مكة خرج إليه متنكرًا خوفًا من ذلك الحكم النبوي الذي صدر عليه.

خرج إليه متنكرًا حتى لقي الرسول وهو نازل بالأبواء قال: فتنحيتُ من أصحابه فرقًا منهم (خوفًا منهم) لو عرفوه أن يقتلوه تنفيذًا لأمر الرسول.

تنحيتُ من أصحابه فرقًا منهم والناس يأتون رسلًا - أي جيوش الصحابة يأتون كتيبة إثر كتيبة - وأبو سفيان في طرف يراقب هذا المنظر العظيم المهيب - قال: حتى يطلع رسول الله في موكبه فتصديتُ له تلقاء وجهه فلما رآني ملأ عينيه مني أي أخذ يحدق فيّ، يُحدِّقُ فيه أهذا هو أبو سفيان بن الحارث بن العم والأخ من الرضاع والقريب البعيد الذي ناصب رسول الله والمسلمين العداوة وأبلغ النكاية بهم.

يقول أبو سفيان فأعرض عني رسول الله بوجهه إلى الجهة الأخرى فتحولت ناحية وجهه الأخرى فأعرض عني مرارًا فأخذني ما قرب وما بَعُد - أي انتابتني المخاوف والوساوس وظننتُ أنني مقتول قبل أن أصل إليه - ثم أتذكر رأفته ورحمته فيمسك ذلك عني - أي فتذهب الوساوس عن نفسي - قال: وكنت أظن أن رسول الله وأصحابه سيفرحون فرحًا شديدًا بإسلامي لقرابتي برسول الله.

إذن لماذا أعرض عنه الرسول المصطفى ؟ هذا تأديب نبوي بليغ فأبو سفيان بن الحارث كان شديد النكاية بالمسلمين كان شديد المحاربة بالله ورسوله، ومع ذلك فقد تأخر في إسلامه وتوبته وهو مع ذلك صلته وشيجته وقرابته برسول الله جعلت العتاب عليه واللوم أشد من غيره ولذلك أعرض عنه المصطفى ويا له من موقف في مدرسة النبوة، هذه التربية النبوية وهذا التأديب النبوي لا محاباة في دين الله ولو كان ذا قربى.

قال أبو سفيان: فلما رأى المسلمون إعراض رسول الله عني أعرضوا عني جميعًا فلقيتُ أبا بكر الصديق وهو معرض عني، ثم رأيتُ عمر بن الخطاب يُغري بي رجلًا من الأنصار فلما رآني أقبل علىّ وهو يقول: يا عدو الله أنت الذي كنت تؤذي رسول الله ، وبلغت في عداوته مشارق الأرض ومغاربها.

ثم يقول أبو سفيان بن الحارث: فلزمتُ باب منزل رسول الله والمسلمون ما يكلمني أحد منهم، فما ينزل الرسول منزلًا إلا وأنا عند بابه قائمًا ومعي ابني جعفر حتى راح إلى الجُحفة ومضيتُ معه وأنا على هذه الحال حتى فُتحت مكة، وأنا معه على هذه الحال ملازم بابه مع الخيل التي لا تفارقه.

حتى نزل بالأبطح فدنوت من باب قبته فنظر إلىّ نظرًا ألين من النظر الأول فرجوتُ أن يتبسم. ثم دخلت عليه نساء بني عبد المطلب ومعهم زوجتي يرققنه علىّ حتى خرجتُ معه إلى غزوة هوازن وقد جمع المشركون جموعًا ما جمع المشركون مثلها قط لمحاربة رسول الله وخرجوا ومعهم النساء والذرية والماشية فقلتُ في نفسي لما لقيتُ جموعهم: ليرينَّ رسول الله أثرى إن شاء الله.

وصدق أبو سفيان في عهده هذا على نفسه. أبلى في تلك الغزوة بلاءً عظيمًا وذلك أنه لما كتب الله على المسلمين في تلك الغزوة تلك الهزيمة المنكرة عقوبة لهم على إعجابهم بجموعهم وكثرتهم لما قالوا وقد رأوا جموع المسلمين كثيرة عظيمة: لن نُغلب اليوم عن قلة فهزموا حتى وصف القرآن تلك الهزيمة بقوله تعالى: ثم وليتم مدبرين [التوبة:25] .

وقعوا في كمين بين تلك الجبال في ديار هوازن فإذا بالسهام تنهال على المسلمين من كل جانب وأخذت الدهشة والمفاجأة المسلمين فانكسروا وتفرقوا عن الرسول المصطفى والرسول صامد ثابت على بغلته الشهباء في يده سيفه وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب. وثبت حوله نفر قليل من أصحابه منهم عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ومنهم أبو سفيان بن عبد الحارث بن عبد المطلب هذا رضي الله عنه وأرضاه.

قال أبو سفيان: فتقحمتُ عن فرسي - أي نزلتُ عن فرسي - والسيف في يدي صلتًا مسلولًا والله يعلم أني أريد الموت دون رسول الله.

وإذا بالعباس آخذ بلجام بغلته فأخذتُ بالجانب الآخر فنظر إلىّ رسول الله وقال لعمه العباس من هذا؟ فقال العباس: ابن عمك وأخوك أبو سفيان بن الحارث فارض عنه أي رسول الله فقال الرسول: قد فعلت قد رضيت فغفر الله له كل عداوة كان يعادينيها.

قال أبو سفيان: فقبَّلتُ رجله في الركاب فرحًا برضاه وعفوه عني. فنظر إلىّ نظرة المحب فقال: أخي لعمري.

ثم أمر العباس أن ينادي فيقول: يا أصحاب سورة البقرة.

أمر عمه العباس أن ينادي جموع الصحابة الذين أنكروا وتفرقوا عنه من دهشة المفاجأة والمصيبة يا أصحاب سورة البقرة يا أصحاب السَمُرة يا للمهاجرين يا للأنصار.

ونادى العباس وكان رفيع الصوت قوى الصوت، وأصحاب السَمُرة هم أصحاب بيعة الرضوان فإذا بهم يجيبون من كل حدب وصوب: يا لبيك يا لبيك. وكروا كرَّ رجل واحد، انعطفوا انعطافة البقرة على ولدها أقبلوا من كل حدب وصوب وهم يقولون: يا لبيك يا لبيك. يأمون ذلك الصوت يجيبون الداعي داعي الله، داعي الجهاد يقول أبو سفيان: وهم قد شرعوا الرماح وحتى وقد خفتُ على رسول الله من رماحهم أن تمسه أكثر من خوفي عليه من رماح المشركين.

أقبل الصحابة مندفعين إلى داعي الله داعي الجهاد وانهارت كل العوائق من حولهم لا يمنعهم شيء عن إجابة الداعي، ما أسرع استجابتهم لداعي الله وما أسرع استجابتنا اليوم لداعي الدنيا وداعي الشهوات وداعي الأهواء.

انظر الفرق بين استجابة ذلك السلف العظيم الكريم أصحاب رسول الله لنداء الجهاد وإجابتهم لداعي الله، وانظر إلى سرعة استجابتنا لداعي الدنيا ولنداء الشهوات ولنداء الأهواء، واشوقاه إلى ذلك السلف العظيم الكريم أصحاب رسول الله ، لكنهم ذهبوا إلى ربهم وبقينا في هذا الزمان زمان الفتنة:

ذهب الذين يُعاش في أكنافهم وبقيتُ في خلفٍ كجلدِ الأجرب

هكذا كان سلفكم أيها المؤمنون الصائمون، هكذا كان أصحاب رسول الله مهما كانت الظروف والمواقف، ومهما كانت المواقف حرجة حالكة وهم بشر قد يتفرقون وقد ينكرون، لكنهم لما سمعوا يا أصحاب سورة البقرة يا أصحاب السَمُرة أقبلوا من كل حدب وصوب لا يردهم شيء عن رسول الله وفي هذا الموقف الحالك الحرج أبلى أبو سفيان بن الحارث بلاءً عظيمًا في الدفاع عن المصطفى والجهاد بسيفه بين يديه.

لقد مسح بسيف الجهاد كل ما فرط منه نحو رسول الله. مسح بسيف الجهاد كل خطاياه وكيف لا يفعل ذلك وقد عفا عنه النبي المصطفى الرحيم الكريم سيد الرحماء.

أما بعد... فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة ومنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تُدان.

ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .

وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [2] .

[1] انظر قصة توبته رضي الله عنه: الطبقات الكبرى لابن سعد 4/36-40، سير أعلام النبلاء للذهبي 1/202-205، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 11/169-171.

[2] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت