فهرس الكتاب

الصفحة 5757 من 5777

لا إله إلا الله: معناها ومكانتها وأركانها

التوحيد

أهمية التوحيد

محمد بن سليمان الحماد

الرياض

جامع التركي

1-فضل كلمة التوحيد. 2- تحقيق التوحيد. 3- معنى كلمة التوحيد. 4- ركنا كلمة التوحيد. 5- كلمة بخصوص الإساءة للمصحف الكريم.

عباد الله، لقد تعرفنا في الخطبة الماضية على أهمية التوحيد وآثاره وفوائده على المجتمع والفرد، وعرفنا بعضًا من الوسائل التي تنمي وتزيد رسوخ التوحيد في النفوس، واليوم يطيب المقام ويتطهر ويزدان المكان ويتعطر ويسعْدُ الجنان ويتنور بكلام حول أشرف مبدأ وأعظم كلمة، الكلمة التي من أجلها رُفعت رايات الجهاد، وبفضلها تحررت العباد، وبسببها تنكرت قريش للنبي الهاد، إنها الكلمة التي مَن قالها عُصم دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله، ومن خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نُصر. لما قالها المسلمون أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم وضاق بها ذرعا إبليسُ وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيَها ويُظهرَها ويَنْصُرَها على من ناوأها، إنها أول أركان الإسلام وبوابته العظمى، ومعرفة معناها أول واجب على الإنسان، إنها الكلمة الطيبة التي قال الله عنها: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: 24، 25] . إنها كلمة الإخلاص والتوحيد (لا إله إلا الله) التي اتفقت عليها كلمة الرسل صلى الله عليهم وسلم، بل هي خلاصة دعوتهم وزبدة رسالاتهم.

أيها المسلمون، إن لهذه الكلمةِ فضلًا عظيمًا وأجرًا جزيلًا، فعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله قال: (( قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ) )رواه بن حبان والحاكم وصححه. نعم، هذا وزنها لمن أدى حقها فأقامها وحققها بأركانها وشروطها.

هذه الكلمة لا يكفي فيها النطق، بل لا بد من الشهادة بها، ولا تعتبر الشهادة إلا إذا كانت مصحوبة بالإقرار والإذعان وواطأ القلبُ عليها اللسان، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: 22] . يقول ابن كثير::أي: أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه, ولهذا قال: وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: في عمله"، ونقل الإمام الطبري قولا لابن عباس تفسيرا لهذه الآية فقال:"قوله: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى قال: لا إله إلا الله"، ويقول القرطبي:"قوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي: يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى، وَهُوَ مُحْسِنٌ لأن العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع"."

إخواني، إن التوحيد وكلمتَه لا بد له من تحقيق، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد:"بابٌ: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب"، ثم ذكر قول الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 120] . قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد:"تحقيقه: تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي"، وقال في قرة العيون:"وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة، لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخلص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه، وهم في صدر هذه الأمة كثيرون، وفي آخرها هم الغرباء، وقد قلّوا، وهم الأعظمون قدرًا عند الإله، ولقد دلت هذه الآية العظيمة على أن كمال الإخلاص إنما يوجد بترك الشرك والبراءة منه وممن فعله".

أيها الأحبة، هذا هو فضل هذه الكلمة العظيمة، وهذا شأنها ومكانتها في الإسلام، فحري بنا أن نلزمها ونعرف معناها وأركانها وشروطها حتى نفوز بأجرها وجزائها.

فمعناها: لا معبود بحق إلا الله، والدليل قول الله تعالى: اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62] ، ويخطئ من يظن أن معناها: لا خالق إلا الله، يقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الأصول الثلاثة:"معناها: لا مألوه بحق إلا الله وحده". وهذه الكلمة هي توحيد الألوهية الذي هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة، وأما توحيد الربوبية فقد أقرّ به المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ، ولم ينازعوا فيه ولا امتنعوا من الإقرار به، فاحتج الله عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية فقال: فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [يونس: 31] أي: تتقون الشرك به في عبادته.

أيها الموحدون، إن هذه الكلمة تشتمل على ركنين عظيمين، وهما: النفي بقولك: (لا إله) ، والإثبات بقولك: (إلا الله) ، قال الوزير أبو المظفر في الإفصاح:"وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمةَ مشتملةٌ على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله". قال الإمام المجدد ابن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة:"وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: 26-28] ، فعبّر عن معنى (لا إله) بقوله: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ، وعبّر عن معنى (إلا الله) بقوله: إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي". قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:"فدلت كلمة (لا إله إلا الله) على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائنًا من كان، وإثبات الإلهية لله وحده، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره، فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك وقَبِله وعمِل به، فما أجهل عُبَّاد القبور والطواغيت بحالهم! ما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك المنافي لكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) ! سبحان الله! مشركو العرب ونحوهم جحدوا بها لفظًا ومعنى، وهؤلاء المشركون جحدوا بها معنى وأقروا بها لفظًا، فتجد أحدَهم يقولها وهو يؤلّه غير الله بأنواع العبادة كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل والدعاء. ولأئمة الدعوة كلام نفيس بديع واضح في معناها وأركانها، فليراجع لمسيس الحاجة إليه".

وأما شروط هذه الكلمة فسنأتي عليها الجمعة القادمة إن شاء الله.

إخواني، يتبين توحيد العبد عند ازدحام الأوامر، فمتى قدم أمر الله على أمر غيره فهو موحد، وإن قدم أمر غيره على أمره فيخشى عليه من الشرك.

فتأمل ـ أخي المسلم ـ وحاسب نفسك، وتذكر أن من كان مع الله كان الله معه، ومن وجد الله فما الذي فقد؟! كما أن من فقد الله فما الذي وجد؟! إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58] .

أيها المسلمون، لا يسعنا إلا العمل وسرعة النظر في حالنا مع هذه الكلمة وتجديد العهد مع الله ومحاولة تحقيق التوحيد لنفوز بأجرها وجزاء الله لأهلها.

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد.

وبعد: فقد سمعتم كما سمع الناس كلهم بل كما سمع حتى الجمادات من حجر وشجر ما حدث من كافر لعين علج قذر من امتهانٍ لكتاب الله العزيز؛ مما أقض مضجع كثير من المسلمين، وما إخال تلك الأسود المأسورة إلا أنها تمنت أن لو تمكنت منه لخلطت دمه بلعابها ثم لانتقشت من لحمه.

إنني ـ أيها المسلمون ـ لا أناشدكم الانتفاضة والغضب، فإن هذا من أضعف الإيمان، ولكني أنبهكم وأعظكم أن تكونوا ممن أهان الكتاب وهو لا يشعر، فهل قمنا بحقه خير قيام؟! إن الواجب على المسلمين أن يعرفوا حقه ليأتوا به، فإن من حقه علينا تلاوته تلاوة مستقيمة وعدم اللحن فيه وكذا عدم هجره، ثم تدبره وتفهمه ثم العمل به.

هذا، وصلوا وسلموا على خير البرية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت