فهرس الكتاب

الصفحة 3691 من 5777

لماذا لا نلتزم بشرع الله؟! 3

العلم والدعوة والجهاد

التربية والتزكية, قضايا دعوية

عبد الرحمن بن عبد الجبار هوساوي

الظهران

جامع جامعة الملك فهد

1-من أسباب عدم الالتزام المنفرون عن شرع الله. 2- أهمية التذكير بالله في حياة المسلم. 3- خطر وسائل الإعلام. 4- دور المؤسسات التعليمية في بناء الأجيال.

أيّها الإخوة، ما برحنا نتحدث عن الموضوع الهامّ: لماذا لا نلتزم بشرع الله؟ وهذه الأسباب كلها متكاملٌ وإن تفاوتت مراتبها وأهميتها، ولا ينبغي تهويلُ الأسباب الثانوية، ولا تهوينُ الأسبابُ الأصليةُ، وقد عرفنا أن الأسبابَ الأساس والخطيرةَ هي التي يتحمَّل الفردُ وحده مسؤوليتَها، وكانت عشرة هي: ضعفُ الإيمان واليقين، ضعفُ الشخصية، عدمُ القناعة العقلية، التعلقُ بالأوهام، المفاهيمُ الخاطئة، الحياةُ سبهللا بلا هدف، الأمنُ من مكر الله، اليأسُ من رحمة الله، التعرضُ للفتن، خداع النفس بتتبع سقطات العلماء. وهي تشكّل في اجتهادي 70 في المائة من الموانع، ثم عرضنا للأسباب المتوسطة في الأسبوع الماضي وهي: البيت والمجتمع. وبقي ما يشكّل 10 في المائة، هي الأسباب الثانوية وأهمها ثلاثة: المنفّرون، قلّةُ المذكّرين، الإعلامُ الفاسد.

النقطةُ المهمةُ في هذه الأسبابِ الثانويةِ مع أنها موانعُ هي أن تعلم أنها ليست مبررًا لأيّ أحدٍ في عدم التزام شرع الله، فضلًا عن أن تكون عذرًا عند الله، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] .

فأولًا: المنفّرون عن شرع الله، ينبغي أن نعلم أنه لا أحد يعدّ ممثلًا للإسلام أو ناطقًا رسميًا باسمه، بل صورة الإسلام هي ما جسّده رسول الله بقوله وفعله، وبناءً على ذلك لا أحدَ يُعدّ فعلُه حجةً على الإسلام إلا رسول الله ، ومن هنا قال مالك رحمه الله:"كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر"يعني رسولَ الله. ومن هنا قال العلماء رحمهم الله:"الرسول يحتجّ بكلامه، والعلماء يحتجّ لكلامهم"، ومن هنا يتميّز أهل السنة على أهل البدعة؛ بأنهم يقدّرون علماءهم ولا يقدّسونهم، والمنفرون ثلاث طوائف:

المنفّرون علميًّا وهم نوعان: الذين غلبوا الترهيب وبالغوا فيه، فكلّ شيء حرام وممنوع احتياطًا وسدًّا للذرائع، والآخرون الذين غلّبوا الترغيب وبالغوا فكلّ شيء حلال ومسموح، وأما سنّة رسول الله فقشور، وهل في كلام محمد قشور؟! كلا، فكلّه لبٌّ. ولا شك أن كلا الفريقين أساء؛ أولئك ضيّقوا واسعًا، وهؤلاء ميّعوا الدين، وصدَق الحسن رحمه الله:"ضاع هذا الدّين بين الغالي فيه والجافي عنه".

المنفّرون سلوكيًّا: وهم الذين منّ الله عليهم بالهداية وشرح الله صدورهم للالتزام بشرعه، لكنهم فشلوا في عرضه سلوكًا وأخلاقًا، فهموا بعضَ المفاهيم على غير حالها، فإذا الجديةُ عندهم تجهّم، وإذا السماحة تساهل، وإذا المداراة مداهنة، وإذا إنزال الناس منازلهم نفاق، وإذا الولاء والبراء هجر لأهل المنكر مطلقًا، وإذا التمسّك بالإسلام عندهم شعائر معيّنة، فأحدث ذلك نفورًا عند المفرّطين رفضًا لهذه الصورة المرسومة، وكلّنا يرفضها، لكن أليس هذا العرضُ المنفّرُ دافعًا لهم للالتزام بالإسلام حقًّا لإبرازِ صورةِ الإسلامِ الحسنةِ والمثلى المبنيةُ على الدليل لا الأهواء لوكانوا جادّين وصادقين؟! لأنّ الانتقادَ الباردَ وإلقاءَ اللومِ على الآخرين كلٌّ يحسنه، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:64] .

وبصراحةٍ ينبغي أن تنتهيَ الجفوة بين المتديّنين والمفرّطين، وواجب على أولئك أن يغشوا مجالسَ المفرّطين، ويحسنوا إظهارَ محاسنِ الإسلامِ وسماحتِه بالسلوك قبل الكلام، وعلى المفرّطين أن يبحثوا عن المذكّرين لهم ويحسنوا الظن بهم مهما أساؤوا غَيرةً واجتهادا، فذلك ـ والله ـ خير للفريقين لو كانوا يعلمون.

المنفّرون فكريًّا: وهم الذين التبس عليهم فهمُ الإسلام فكرًا، فسلكوا التكفير والتفجيرَ منهجًا، وترويعَ الآمنين واستباحةَ الدماءِ جهادًا، والعنف مع المخالف سبيلًا.

ولنا ضابطان هنا، الأول: أننا نقصد من يتبنّى هذا النهج صراحة لا من يُنسبُ إليه ذلك من أعدائه الذين ينطبق عليهم قول المتنبي:

يا أعدل الناس إلاّ في معاملتي فيك الخصامُ وأنت الخصمُ والحكَمُ

والضابطُ الآخرُ: أنّ من احتلت أرضه وانتُهك عرضه لا يدخل في كلامنا، فهو في حالة حَرب حتى يحصلَ على حقوقه، ولحالةِ الحربِ أحكامُها.

أمّا قِلّة المذكّرين فلا شكّ أنه سبب لبُعد الملتزم وغفلته، فكيف بغير المهتدي أصلًا؟! ولأهمية التذكير أمر الله رسولَه بالتذكير مع أنه جزء من رسالته ومهمته، فقال تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذريات:55] ، وكان الرعيل الأول بعد وفاة رسول الله يطالبون أصحابه بتذكيرهم ومضاعفة التذكير وهم في خير القرون، وليس عندهم من الفتن والصوارف ما عندنا، ففي البخاري عن أبي وائل قال: كان عبد الله يذكر الناس في كلّ خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لودِدت أنك ذكّرتنا كلَّ يوم، فقال: (أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكم، وإني أتخوّلكم بالموعظة كما كان النبيّ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا) .

انظر إلى هذه الرغبة رغم التذكير الأسبوعي المنتظم إضافة إلى الجمعة، أمّا اليوم فقد أصبح كثير منا زاهدًا في الموعظة، والبلية أن الزهدَ من المحتاجين إليها أكثر من غيرهم، فما أن يقومَ مذكر لدقائق حتى ينصرفوا، أما حضورهم لهذه المواعظ في مظانها فدونها خرط القتاد، والله المستعان.

إذًا كيف سيصقلُون قلوبَهم ويجلون غفلتهم؟! ولماذا يشتكون من قلّة المذكرين؟! لا أجد لها جوابًا إلا قول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] .

أيّها الإخوة، طالما أن التذكيرَ مهم وضروريّ لتبقى قلوبنا حيّةً فينبغي لنا أن نوجد نحن المذكّرين، وأن نقيم من بيننا من يذكّرنا إن كان أهلًا، ولا يلزم أن يكون شيخًا وإمامًا، أليس من الغبن أن نجلس مجلسًا لساعات طويلة ثم نعجز أن نُذكِّر بعضنا بالله وبحقوقه ولو لدقائق، فنزيل الغفلة ونكفِّر الزلّة ونزيل الحسرة التي قالها رسول الله: (( ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان ذلك المجلسُ عليهم حسرة يوم القيامة ) )أخرجه أبو داود والحاكم وهو صحيح؟! أقول: فكيف إذا كان مجلس أكل لحوم البشر؟!

أيها الإخوة، وخير مذكّر هو القدوة الصالحة، فلنحرِص أن نكونَ قدوات لنذكّر بعضنا بعضًا بلسان الحال دائمًا، وقال بعضهم:"جالسوا من تذكّركم بالله رؤيته"، كما كان حالُ بعضِ السلفِ الصالح.

السببُ الثالث: وسائلُ الإعلام عمومًا والفضائياتُ خصوصًا وخصوصًا.

أيّها الإخوة، صار الإعلام لا غِنى عنه اليوم، وأصبح أثَره أقوَى من كلّ أثر ماديّ، وهو سلاح ذو حدّين؛ إمّا للبناء أو للهدم، وللأسف تسلّط شياطينُ الإنسِ عليه، وبصفة خاصة أبناء القردة يهود فهم يملكون معظمَ وكالاتِ الأنباءِ العالمية، فسخّروه لممارسةِ هوايتِهم المفضلةِ؛ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64] . سخّروه لمسخ القيَم وهدم الملل، وللأسف غَزَونا في عُقر دارنا عَبْر الفضائيات؛ مروّجين للمخدرات والشهوات، ومثيرين للشبهات، ومنفّرين من الإسلام، وملمّعين للفجرة والفسقة، ومحقّرين للدعاة الغيورين.

هذا كله صحيح، لكنه من العبث أن نلوم أعداءنا ونُحمِّلَهم تقصيرَنا تجاه دينِنا، أليس هذا واجبُهم؟! بلى، إنّ واجبهم أن يعمَلوا ما فيه مصلَحتُهم؛ ومصلحتُهم تقتضي أن يدمّروا أخلاقَنا وعقيدَتنا وينفّرونا من ديننا؛ لعلمهم أن أمّةً لن تُستذلَّ إلا إذا هُدِمت مبادئها وتخلّت عن قيمِها، إذًا هم منسجِمون تمامًا مع أنفسهم، لقد نجحوا نجاحًا كبيرًا، والدليل أننا أخذنا نولوِل كالثكالى ومَكتوفي الأيدي ومسلوبي الإرادة ومن لا حول لهم ولا قوة.

أين الصبر وأين التقوى اللذين أُمرنا بهما في هذا الموطن؟! ألم يقل الله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:186] ؟! هل من التقوى أن تدخله بيتَك ثم تتخلّى عن المراقبة والتوجيه، وتشتكي أن الأنباء قد فسدوا؟! وأين الصبرُ عن الشهوات وعلى مقاومة الأعداء؟! ثم أين تجّارُ المسلمين والدعاة من خلفهم؟! هل عقمت أيديهم وعقولهم عن إيجاد البديل الصالحِ النافعِ والمقاومِ لشرهم ومكرهم، أم أنه ليس هناك جدّية؟! ثم ليتّق الله كلُ راعٍ عما استرعاه الله، فإن الله يزعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

ونختم هذه الأسبابَ بسبب مهمٍّ ملحَق بالمجتمع وهو دُورُ العلم، فهي تنافس البيتَ في أداء رسالته، فإن كانوا منسجمين انعكس ذلك على الأبناء إيجابًا، وإلا كانت الأخرى، وأصبح عمل إحدى الجهتين ناقضًا لعمل الأخرى، وعندها ينطبق قولهم:

متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

إنّ التعليم ـ وخاصة في مراحله الأولى ـ من أهمّ المؤثرات على الأبناء التزامًا بالإسلام أو نفورًا، فالطالب يمكث يوميًا ما لا يقلّ عن ستّ ساعات يتلقّى توجيهات بطريق مباشر أو غير مباشر، في حين قد لا يتلقّى كلَ يوم توجيهًا واحدًا في البيت، لذلك كانت رسالةُ دُورِ العلمِ كبيرةً وخطيرةً. نحتاج إلى المعلم المدرك لعظم مسؤوليته تجاه دينه، فهو إما أن يحببهم للالتزام بشرع الله بسلوكه، وإما أن ينفِّرهم.

فالله اللهَ ـ يا ورثةَ الأنبياءِ ـ أن يؤتى من قبلكم، هلا استشعرتم أنكم تؤدون رسالةً وليس وظيفةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت