فهرس الكتاب

الصفحة 4415 من 5777

أوقات العمر

الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة

اغتنام الأوقات, السياحة والسفر

عبد الله الهذيل

الرياض

فيحان

1-سرعة انقضاء الأيام والأعوام. 2- الوصية باغتنام العمر والوقت. 3- ضوابط وأصول تكون منطلقًا مباركًا في قضاء إجازاتنا بل وأعمارنا. 4- وصايا وإرشادات للمسافرين.

أيها الأحبة في الله، إن الأيام والليالي لتمضي على المرء أسرع ما تكون، لا تقف ساعة، ولا تمهل لحظة، تتقلب كغمضة العين وانتباهتها، كأنها تعجل بصاحبها إلى اليوم الموعود، يوم أن تقف أنفاسه عن التردد في أجوائها، ليوسّد باطن الأرض بعد أن كانت تدب خطاه أعلاها. وما أقرب العهد بين ساعة الميلاد التي يخرج فيها المرء من ظلمات ثلاث في بطن أمه وبين ساعة الفراق حين يوارى التراب، وما بين الساعتين عمرٌ يطول ويقصر نسبيًا من شخص لآخر، إلا أن حقيقته أنه قليل مهما امتدت بصاحبه الأيام.

وقد يُغفل عن هذه الحقيقة في خضم الحياة ومطالبها، فيمتد الأمل بصاحبه حتى يريه أنه يعيش الدهر كله، ولكن تدرك هذه الحقيقة يقينًا حين يعيش المرء لحظاته الأخيرة في دنياه، فإنه يعيد النظر إلى ما انقضى من عمره فيراه أقل من القليل، ولئن همست في أذنه: كم قضيت من أيامك؟ فإنه لن يرد عليك بهمسة مثلها، بل سيصدع أنها يوم أو بعض يوم. وهكذا ما أسرع انقضاءها، وما ألم انقضائها بأشد من ألم التفريط الذي سطّر في أيامها ولياليه، والذي سيحمله صاحبه على ظهره لينتشر له غدًا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فتلك هي قاصمة الظهر، أما ذات الفراق فألمه سرعان ما يسلى عنه، بل قد يكون راحة لصاحبه، وكما قيل:

ولو أنا إذا متنا تُركنا لكان الموت راحة كلِّ حي

ولكِنّا إذا متنا بعثنا ونُسأل بعدها عن كل شي

فلذا ـ أيها الأحبة في الله ـ كان لزامًا على كل واحد منا أن يكون شديد الحرص على ساعات عمره وأنفاس وقته؛ لتكون له حصيلةً في غده الذي سيقدم عليه بلا ارتياب. وإن لنا في أسلافنا المثل الجميل في اغتنام الأوقات والضنّ بها أن تعبث بها أيادي الهوى والشهوة.

ولقد كان نبينا يوصي أشد الوصية بذلك، فقد قال فيما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقدك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) )أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

وقد جاءه رجل يطلب منه وصية، فأوصاه بأن يكون لسانه رطبًا بذكر الله تعالى؛ لتبقى الحياة كلها معلقة بالله تعالى، كلما غفلت النفس عن طاعته كان ذكره واعظًا فيها وداعيًا إلى ابتغاء مرضاته.

وهكذا كانت تلك الوصايا مدرسةً تربى فيها سلف الأمة الأبرار، فكانت حياتهم يصدق أن يقال عنها: إنها وقف لله تعالى.

فهذا عمر كان لا ينام بالليل إلا قليلًا، وينشغل في النهار في قضايا الرعية، فقيل له في ذلك فقال: (إن نمت بالليل ضيعت نفسي، وإن نمت بالنهار ضيعت رعيتي) .

وهكذا كان السلف الصالحون على هذا السبيل في الحرص على الأوقات واغتنام الساعات واللحظات، وإن التاريخ ليحدثنا بما لا يستوعبه أهل الأوقات الضائعة في زماننا، ليحدثنا عن نفوس قدرت للأوقات قدرها، وأيقنت ما تستقبله بين أيديها، فأبت أن تكون من أهل الغبن والحسرة، فسطّر لها التاريخ العجب في الحرص على الدقائق ولحظاتها.

أيها الأحبة في الله، أولئك القوم مضوا وانتهت أوقاتهم، فهل تراهم ندموا على تلك الساعات التي اغتنموها؟! أبدًا والله، بل إنهم يتنعمون في ظلالها بإذن الله تعالى.

وقد مضى أيضًا أولئك الذين نظروا في أوقاتهم فرأوها محنة ووبالًا، فسعوا في قتلها بالمعاصي والشهوات، فهل تراهم طرفة عين يحمدون ساعة من ساعات الشهوات التي قضوها أو ليلة من ليالي اللهو التي سهروها؟! كلا، بل حديث الصاحب لصاحبه:

تذكُر كم ليلة لَهونا فِي ظلها والزمان عيد

وكم سرور هَمى علينا سحابة ثرة تَجود

كلٌ كأن لم يكن تقضّى وشؤمه حاضر عتيد

سطره كاتب رقيب وضمه حافظ شهيد

يا ويلنا إن تنكبتنا رحمة من بطشه شديد

أيها الأحبة في الله، وها نحن نستقبل بين أيدينا الإجازة السنوية، بعد أن طال انتظار الطلاب لأيامها بعد عام قضوه في التحصيل العلمي. وإنها لأيام تستوجب الوقوف عندها؛ لأن كثيرًا من الناس قد يغبنُ فيها من حيث يشعر أو لا يشعر. فلا بد أن نوقن أنها قطعة من العمر يسطر فيها كل صغير وكبير ودقيق وجليل، فلا يظن أن تسقط فيها تكاليف الدين كما سقطت تكاليف الدنيا، بل هي من الأيام التي لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يُسأل عنها، فلا بد أن تصان من حبائل الشيطان، ولا بد أن تطهر من دنس المعاصي، ولا بد أن تقضى بطاعة الله تعالى وبما أخرج من الطيبات التي لا تعد ولا تحصى.

أيها الأحبة في الله، وبين يدي هذه الإجازة لا أجدني محتاجًا إلى عرض برنامج متكامل لقضائها، ولكن لا بد من الوقوف مع أصول تكون منطلقًا مباركًا في قضاء إجازاتنا بل وأعمارنا، وذلك بأن يدور الواحد منا مع الشرع حيثما دار، محققًا أمر ربه مجتنبًا لنهيه متبعًا لنبيه آخذًا ما أتى به مجتنبا كل ما نهى عنه.

وبهذا يكون منطلقه في حركاته وسكناته، وفي كل ما يأتي ويذر، عبودية تامة لله تعالى؛ لأنه ما كان في يوم من الأيام ولا ساعة من الساعات عبدًا للشيطان ولا عبدًا للشهوة ولا عبدًا للهوى ولا عبدًا للآراء ولا عبدًا للمقترحات، ولكنه عزيز بعبوديته لربه وحده دون ما سواه.

فإلى كل واحد منا، لتقض إجازتك وتجعل هذا الأصل نصب عينيك، واجعل من إجازتك نصيبًا لحفظ كتاب الله تعالى وتدارسه، واجعل منها نصيبًا لتعلم سنة نبيك ، واجعل منها نصيبًا لأن تدعو إلى الله وتبلغ عن نبيك ولو آية، واجعل منها نصيبًا للِّقاءات الطيبة مع الأخيار الصالحين في مجالس وبقاع مضيئة بذكر الله تعالى والتعاون على طاعته.

هكذا اغتنمها بكل ما تقر به عينك وتطيب به نفسك في عاجل دنياك وغدًا، يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88، 89] .

وأيضًا افرح بإجازتك وابتسم لها، ورفّه عن نفسك وأهلك، فإن الله تعالى حرّم عليك قليلًا وأحلّ لك كثيرًا، فلا يضيق عنك أفق الحلال فتخنق في ضيق الحرام، فإن ربنا تبارك وتعالى يقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:32، 33] .

فامض في إجازتك إلى ما شئت، ولكن لا تنس أنك عبدٌ لله تعالى في عمرك كله، والعبد رهن طاعة سيده، فلا تتعد حدوده، ولا تخالف أمره.

بارك الله لك في إجازتك، وأعقبك بها حلاوة تجدها في قلبك، وطيبًا تحياه في دنياك وآخرتك.

أيها الأحبة في الله، وللسفر حديث في الإجازات يطول، وسأختصره بهذه الكلمات إلى كل مسافر.

فإليك قبل أن تشد ركابك وقبل أن تبدأ الخطوة الأولى في سفرك بأن تنظر في مقصودك في سفرك والوجهة التي توليها فيه، فإن كانت إلى ما يحبه الله ويرضاه أو إلى ما أباحه فلتبدأ الخطوة، ولتتبع بها أخواتها بعد أن تستخير ربك عز وجل، فإنه أعلم بمصالحك.

فإن امتطيت الطريق فلتبدأ بدعاء السفر المأثور: (( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل ) ).

واعلم أن خير زاد لك في سفرك هو التقوى، فقد جاء رجل إلى النبي يريد السفر وقال: يا رسول الله، إني أريد السفر فزودوني، فقال: (( زوّدك الله التقوى ) )، قال: زدني، قال: (( وغفر لك ذنبك ) )، قال: زدني، قال: (( ويسر لك الخير حيثما كنت ) )أخرجه الترمذي والحاكم. وجاءه رجل أيضًا وقال: إني أريد سفرًا، فقال: (( أوصيك بتقوى الله، والتكبير على كل شرَف ) )، أي: مرتفع، فلما ولى قال: (( اللهم ازْوِ له الأرض، وهوّن عليه السفر ) )أخرجه الترمذي وابن ماجه.

وكان من هدي نبينا وأصحابه إذا علَوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا. وكان يأمر إذا نزل المرء منزلًا أن يقول: (( أعوذ بكلمات الله التامات من شرما خلق ) ). وكان ينهى عن الوحدة في السفر، وكان يقول: (( لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده ) ). وكان إذا بدا له الفجر في السفر قال: (( سمّع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذًا بالله من النار ) )رواه مسلم.

وهكذا ـ أيها المسافر ـ لتكن على بينة من ذلك الهدى المبارك، ليكون حلّك وترحالك على هدى وسنة.

أيها المسافر، تلك الكلمات إليك حين تكون وجهتك إلى ما يرضاه ربك، أما إذا عزمت السفر إلى حيث تبيت بين ظهراني المشركين وإلى بقاعٍ تِمثالُ الخنا يقبع في كل موضع فيها وبوق الرذيلة يدوّي في كل ناحية منها، فهنا لن يسير الحديث معك إلى تلك الديار، ولكن سيقف مذكِّرًا وناصحًا بأن توقف الخطى، وتعلم أن عزمك ذلك فتنةٌ تعرّض بها نفسك ومن تصحبه معك. ولا يغرنك تلك الخصومات الهائلة والدعايات المزخرفة والعبارات التي تقدمها بين يديك شركات السياحة وأمثالها، ولتتفكر في نفسك: أي خير في سياحة تصبح فيها وتمسي والكنائس ومعابد الوثنية تملأ البقاع من بين يديك ومن خلفك؟! وأي خير في سياحة لا تجد فيها عينك عن الحرام مصرفًا ولا أذنك عن الحرام مصدًا، فترى في كل بقعة من حولك مكانًا للعهر والخنا، وتسمع في كل طريق صوتًا ينادي بالرذيلة؟! وأي خير في سياحة تعرّض فيها نفسك وأهلك وأبناءك وبناتك إلى حبائل الفتن، فتكون بذلك مفتاح شرّ عليهم مغلاق خير لهم؟! ولقد أخبر نبينا أن من الناس من هو مفتاح للخير مغلاق للشر، ومنهم من هو مغلاق للخير مفتاح للشر، فعلام تأخذ بمن تعول إلى مواطن تسطّر أحرف التقليد الأعمى على قلوبهم وتختم على الجباه ببصمات التبعية المقيتة، فتجعلهم يسيرون في ركب الهوى، حتى إذا كان ما كان مما لم يخطر لك ببال، عُضت الأيادي ندمًا، وعاد الركب يحمل العار في الدنيا والخسران في الآخرة، إن لم يكن ثمة توبة وندم؟!

فخذها نصيحة أخ مشفق، بأن تراعي في وجهتك ما أباحه لك ربك، وإن لك في الحلال الطيب ألف بديل عن الحرام الذي يزينه لك الشيطان. ثم اعلم أن كل خطوة تضعها وأخرى ترفعها ستسأل عنها وتحاسب عليها.

أما معالم السياحة في شرق أو غرب فلن تسأل عنها، فلن تسأل عن سور الصين: كم امتداده؟ ولا الجسور المعلقة: كم حمولتها؟ ولا برج إيفل: كم ارتفاعه؟ ولا ناطحات السحاب: كم أطوالها؟ ولكنك ستسأل عن عمرك: فيم أفنيته؟ وعن شبابك: فيم أبليته؟ وعن علمك: ماذا عملت به؟ وعن مالك: من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟ ستسأل عن هذا في نهاية سفرك الحقيقي الذي أنت فيه، حين تنقضي أيامك ولياليك، ولا يبقى إلا ما سطر فيها لتراه غدًا، فإن خيرًا حمدت الله تعالى، وإن كان غير ذلك فاللائمة عائدة على نفسك، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت