فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 5777

عورات المسلمين

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

محمد الداه بن أحمد الشنقيطي

نواكشوط

جامع الشرفاء (جامع القرآن)

1-التحذير من التهير بالناس ونشر عوراتهم. 2- فضل الستر على المسلم وكف الضر عنه.

3-التحذير من المعاصي ومن المجاهرة بها.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وراقبوه، فإنه يعلم السر وأخفى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.

عباد الله: إن ربكم كريم ستير يحب الستر على عباده ليتوبوا إليه ويرجعوا عن زلاتهم وهم غير مفضوحين بين الناس، ولذلك قال النبي: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) )وقال: (( أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم ) )أي استروهم ولا تفضحوهم ولاتتعرضوا بهم، فإن في الستر عليهم في الزلات العابرة النادرة فوائد كثيرة تعود عليهم في أنفسهم وتعود على مجتمعاتهم.

عباد الله: إن التشهير بالناس ونشر عوراتهم من صفات أهل النفاق والفساق المتشبهين باليهود المغرمين باشاعة الفاحشة، ومن كانت فيه صفة من صفات هؤلاء فليبادر بتركها والتوبة منها لئلا يلقى الله بها فيعذبه عليها: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب آليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لاتعلمون ، ولاتقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا ، ولاتجسسوا ولايغتب بعضكم بعضًا ، ويحذرنا نبينا من هذه الصفات في أحاديث عديدة وبأساليب منفرة من تلكم الخصال الذميمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولاتجسسوا ولاتحسسوا، ولاتحاسدوا ولاتدابروا ولاتباغضوا وكونوا عبادالله إخوانًا ) )وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي: (( ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في آذنيه الآنك ) )وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه ) )1.

إن أعراض المسلمين مصانة وعوراتهم مستورة، فمن خالف ذلك وتتبع عوراتهم تتبع الله عورته حتى يفضحه في عقر داره، ومن تجسس على الناس كان من المفسدين الذين لم يباشر الإيمان قلوبهم، فعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم ) )2 ، ومن حديث أبي برزة قال: قال رسول الله: (( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لاتغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المؤمن يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته ) ).

فلماذا يرضى بعض المسلمين لنفسه بتتبع عورات الناس واغتيابهم وهمزهم ونبزهم وتعييرهم والتشنيع عليهم، فهل لاترفع بنفسه عن هذه الدرجة الخسيسة وربى نفسه على معالي الأمور وتجنب سفاسفها الذي لايجني من ورائه إلا البغض بين العباد في الدنيا والخزي والإثم في الآخرة، ألا فاسمعوا إلى ما أعده الله لمن ستر مسلمًا أو ترفع عن جلب الضرر له أو أحب الثواب الجزيل فعمل على إسعاد الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال: (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) )3 ، حديث جامع نافع يحفظه الكثير منا ونؤمن بما فيه ولكن من يعمل به منا؟.

عباد الله: اعلموا أن الستر على المستتر بمعصيته واجب، وفيه أجر عظيم، ويحرم تتبع عورته وإستكشاف أمره كما يدل له حديث الإمام أحمد في المسند عن دخين كاتب عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر، وإنا داع لهم الشرطة فيأخذوهم فقال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاءه دخين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشرط، فقال عقبة: ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله يقول: (( من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤدة من قبرها ) ).

1 -أخرجه الشيخان.

2 -رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه.

3 -رواه مسلم وغيره.

الحمد لله العالم بما في الصدور مبعثر مافي القبور المجازي للناس يوم البعث والنشور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وفروا من الله إلى الله واستتروا بستر الله ولاتبارزوا الجبار بالمعاصي، ولاتجاهروا بها بين الناس، ولاتكونوا أيضًا من الذين ذمهم الله وعيرهم بهذه الأوصاف، إذ كل ذلك يدل على قلة الإيمان وذهاب الحياء من كان هذا حاله فهلاكه محقق إن لم يتب إلى الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يافلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه ) )4.

ومن حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكم له من حكم: (إنا كنا نعرفكم إذ رسول الله بين أظهرنا وإذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا من أخباركم، ألا وإن رسول الله قد انطلق به وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نخبركم ألا من أظهر منكم لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى) موقف واضح ممن يرتكب حرمات الله ويقول: الإيمان في القلب أو يستخفي من الناس ولايستحي من الله: وماكنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولاجلودكم ولكن ظننتم أن الله لايعلم كثيرًا مما تعلمون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم الخاسرين ، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولاتكن للخائنين خصيمًا واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا ولاتجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لايحب من كان خوانًا أثيمًا يستخفون من الناس ولايستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لايرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليمًا حكيمًا ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا.

4 -متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت