فهرس الكتاب

الصفحة 4411 من 5777

خطبة استسقاء 8/10/1426هـ

الرقاق والأخلاق والآداب

آثار الذنوب والمعاصي

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-وعد الله تعالى بإجابة الدعاء. 2- فضل الطاعة وأهميتها. 3- فساد الكون بفساد الإنسان. 4- الحث على التوبة والرجوع إلى الله تعالى. 5- افتقار العباد إلى الله تعالى. 6- دعاء وابتهال.

أيّها الناس، إنّكم شكَوتم إلى الله جدبَ دِياركم واستِئخارَ المطر عن إبَّان زمانِه عنكم، وقد وعدَكم الله عز وجل على دعائِكم، وأمرَكم بالدعاء، ووعدُه الحقّ، فقال تبارك وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] ، فأمركم الله بالدعاء، ووعدكم الإجابةَ، فاصدُقوا الله تعالى في دعائكم؛ فإنه عزّ وجلّ لا يخلِف الميعاد.

أيّها المسلمون، إنّ الله تبارك وتعالى جعَل الطاعةَ مشتملةً على الخيرِ كلِّه في الدنيا والآخرةِ، فجعل الخيرَ في هذه الدنيا وفي الآخرة في طاعةِ الله عز وجلّ، قال تبارك وتعالى: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] ، وقال تعالى: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء:13] ، وقال عزّ وجلَّ: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ [النور:52] ، وجعل الشرَّ كلَّه في الدنيا والآخرة في معصيةِ الله عز وجلّ، قال تبارك وتعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23] .

أيّها الناس، إنَّ للهِ تبارك وتعالى سُننًا في هذا الكون، قد أحكمها وأرادها وقدَّرها، وإنَّ صلاحَ هذا الكون جعَله الله تبارك وتعالى مرتبِطًا بصلاح الإنسان، إنَّ نيّةَ الإنسان وعملَه يَسرِي في هذا الكون عُلوِيِّه وسفليِّة بإرادةِ الله عز وجل؛ لأنّ الله عز وجلّ كلَّف المكلَّفين فأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الجاثية:22] ، فإنَّ الإنسان يجني ثمراتِ عمله الصالح في هذه الدنيا وفي الآخرةِ، وإنّه يصيبُه شرّ عمله في هذه الدنيا وفي الآخرة، وما يعفو الله عنه فهو أكثَر.

أيّها الناس، إنّه ما نزل بلاءٌ إلاّ بذنب، وما رُفِع إلا بتوبةٍ، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] . وإنَّ الله أجرَى سنّتَه أنّ الإنسان إذا صلَح عمله أصلَح الله له كلَّ شيء، وإذا خالف أمرَ الله تبارك وتعالى أصابَه الله ببعض ذنوبِه، قال تبارك وتعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] .

وأمَرَكم الله تبارك وتعالى بالرّجوع إليه، وقال تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] ، وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عنِ النبيِّ قال: (( يقول الله تعالى: لو أنَّ عبيدِي أطاعوني لأنزَلتُ عليهم المطَرَ في اللّيل وأظهَرتُ لهم الشمسَ في النهار ولما أسمَعتُهُم صوتَ الرعد ) )رواه الإمام أحمد [1] . وهذا الحديثُ يفيد بأنَّ العبادَ لو أطاعوا اللهَ عزّ وجل ورغِبوا إليه فإنَّ الله تبارك وتعالى ينزِل عليهم المطرَ، مطرًا لا أذَى فيه، مطرًا هنيئًا مريئًا، لا يقطع أشغالَهم، ولا يسمعون فيه ما يُؤذيهم. فانظروا ـ عبادَ الله ـ كيف رغَّب الله في طاعته وجعَلها سببًا لكل خير.

فاتَّقوا الله أيّها الناس، توبوا إلى اللهِ عزّ وجلّ؛ فإنَّ الله عزّ وجل لا تخفَى عليه خافِية، وإنَّ ربَّكم عز وجل يعلَم أنَّ ابنَ آدم سيعصي الله، وأنه سيتوب إلى الله إذا وفَّقه الله، وإنما أمَرَكم الله عزّ وجلّ أن تتوبوا إليهِ وأن ترجِعوا إليه كما قالَ النبيّ: (( كلُّ ابن آدم خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون ) ) [2] ، وعن النبيِّ عليه الصلاة والسلام في صحيحِ مسلم: (( والذي نفسِي بيدِه، لو لم تذنِبوا لذهب الله تعالى بكم ولَجَاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفِر لهم ) ) [3] .

أيّها الناس، إن اللهَ تبارك وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17] . اللّهمّ إنّا فقراء إليك في كلِّ أمورنا، فعُد علينا بفضلِك، واغفر لنا ذنوبَنا يا أرحم الراحمين، ولا تكلنا إلى أنفسِنا طرفةَ عين. وقد جاء عن ابن عمَر رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ قال: (( يا معشرَ المهاجرين، خمسٌ بخمس وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: ما ظهرَتِ الفاحشة في قوم حتى يعلِنوا بها إلاّ ظهر فيهم الطاعون والأمراضُ التي لم تكُن في أسلافِهم من قَبل، ومَا منَعوا زكاةَ أموالهم إلا حبِس عنهم القطرُ من السّماء، ولولا البهائمُ لم يمطَروا، وما لم تحكُم أئمّتُهم بكِتاب الله إلا جعَل الله بأسَهم بينهم، وما نقَضوا عهدَ الله وعهدَ رسولِه إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا فأخذَ بعضَ ما في أيديهم، وما نقَصوا المكيالَ والميزان إلاّ أخِذوا بالسنين وشدّة المُؤنَة وجورِ السلطان ) )رواه ابن ماجه [4] .

فيا عبادَ الله، توبوا إلى الله عز وجل، من كان له مظلَمةٌ عند أخيه فليستحلّه مِنها ولْيؤدِّ إليه مظلَمَته، يوم القيامة لا درهمَ ولا دينار، وإنما هي الحسناتُ، يُعطى المظلومُ من حسناتِ الظالم، فإن فنِيَت حسناتُ الظالم أخِذَ من سيّئات المظلوم، فطرحت على الظالم، ثم طرِحَ في النار والعياذ بالله.

فاتقوا الله أيّها الناس، اللّهمّ إنّا فقراء إليك في كلِّ أمورنا، اللهم إنا فقراء إليك في كل أمورِنا وفي كل أحوالنا، لا نستغني عن رحمتِك طرفةَ عينٍ يا ذا الجلال والإكرام، فلا تكِلنا إلى أنفسنا.

اللهم إنا فُقَراء إليك في ابتداءِ خَلقِنا، ذكرتَ لنا ذلك في كتابِك في قولك: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:12-14] .

اللهم إنا فقراء إليك في طعامِنا وفي شرابِنا، ذكرتَ ذلك لنا في كتابِك في قولك عزّ وجلّ: وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:33-35] ، وذكرتَ لنا ذلك في قولِك تبارك وتعالى: أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ [الواقعة:68-70] .

نحن الفقراء إليك في لباسِنا، ذكرتَ لنا ذلك في قولك تبارك وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى [الأعراف:26] .

ذكرتَ لنا أنّنا فقراءُ ـ يا ربَّنا ـ في كلِّ أحوالنا وفي كلّ أمورِنا، ونحن مقِرّون لك بالعبوديّة لا إله إلا أنت.

اللّهمّ لا تكِلنا إلى أنفسِنا طرفةَ عين، اللّهمّ اغفِر لنا ما قدّمنا وما أخَّرنا وما أسرَرنا وما أعلنّا وما أنت أعلمُ به منّا يا رب العالمين، اللّهمّ اغفِر لنا إنّك كنتَ غفّارًا، فأرسل السماءَ علينا مدرارًا، اللّهمّ أغِثنا، اللّهمّ أغِثنا، اللّهمّ يا وليّ يا حميد يا رحمن يا رحيم يا ربَّ العالمين، اللّهمّ أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا عاجِلًا غيرَ رائث، اللّهمّ أغِثنا غيثًا مُغيثًا هَنيئًا مَرِيئًا مريعًا غَدقًا سحًّا عامًّا مجلِّلا، اللّهمّ أنزل في أرضِنا بركتَها وزينَتها يا ربَّ العالمين، اللّهمّ سقيا رحمةٍ، لا سقيا عذابٍ ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللّهمّ أحيِ بلدَك الميّت، اللّهمّ وأغِث عبادَك يا ربّ العالمين، وأسقِ بهائمك يا أرحم الراحمين ويا ربَّ العالمين.

اللّهمّ لا تؤاخذِنا بما فعل السّفهاء منّا، اللهم هؤلاء عبادُك يستغيثونَك يا ربَّ العالمين، اللهم هؤلاء عبادُك يطلبونَك ويدعونك يا ربَّ العالمين بعد فريضةٍ عظيمة، وقد قبِلتَ صيامَهم وقيامهم، اللّهمّ فأغِثنا يا ربَّ العالمين، اللهم أغِثنا غيثًا عاجلًا يا أرحمَ الراحمين، ولا تردَّ عنّا فضلَك يا ربَّ العالمين، اللهم لا تمنع عنا فضلَك بذنوبنا، فإنّك أنت الغفور الرحيم، اللّهمّ إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تستجيبَ لنا، إنك أنت الله لا إله إلا أنتَ قريبٌ مجيبٌ يا أرحمَ الراحمين.

عبادَ الله، أخلِصوا الدعاءَ لله، فإنه قريب مجيبٌ، يحبّ دعاءَ الملحِّين، ويجيب دعوةَ الدّاعين والمضطرّين، وتوجَّهوا إلى الله بسؤالٍ ودعاء مخلص لله، وأقلِبوا لباسكم تأسّيًا بسنّة رسول الله [5] .

أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل دعاءَنا، وأن يغيثَنا، وأن يعجِّل بالغِياث للعبادِ والبلاد، وأن يجعل ذلك بلاغًا للحاضر والباد وقوّة لنا وبَلاغًا إلى حين، إنه على كلِّ شيء قدير، وهو أرحم الراحمين لا إله إلا هو.

اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد.

[1] مسند أحمد (2/359) ، ورواه أيضا عبد بن حميد (1424) ، والطيالسي (2586) ، وصححه الحاكم (3331، 7657) ، قال الهيثمي في المجمع (2/451) :"مداره على صدقة بن موسى الدقيقي، ضعفه ابن معين وغيره، وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا صدقة الدقيقي وكان صدوقا"، زهو في السلسلة الضعيفة (883) .

[2] أخرجه أحمد (13049) ، والترمذي (2499) ، وابن ماجه (4251) ، والدارمي (2727) من طريق علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي:"غريب"، وصححه الحاكم (4/244) ، وتعقبه الذهبي بقوله:"علي لين"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4515) .

[3] صحيح مسلم: كتاب التوبة (2749) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] سنن ابن ماجه: كتاب الفتن (4019) ، وأخرجه أيضا البيهقي في الشعب (3/197) ، وصححه الحاكم (4/540) ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (106) .

[5] سنة قلب الرداء أخرجها البخاري في الاستسقاء (969) ، ومسلم في الاستسقاء (1489) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.

لا يوجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت