فهرس الكتاب

الصفحة 5711 من 5777

الأزمة المالية العالمية

أديان وفرق ومذاهب, فقه

البيوع, مذاهب فكرية معاصرة

سعود بن عبد الرحمن الشمراني

نجران

الشيخ محمد بن عبد الوهاب

1-انهيار الاقتصاد الأمريكي. 2- من مبادئ الاقتصاد الإسلامي. 3- أسباب الأزمة. 4- دروس وعبر من الأزمة.

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوَى الله سبحانه ومراقبتِه في السّرِّ والعلن والاستعداد ليوم المعاد، فإنَّ السّاعةَ آتية لا ريبَ فيها وإنَّ الله يبعث مَن في القبور.

"الموت أو الهلاك"هذه هي الصيحة التي أطلقها محافظ البنك المركزي الأمريكي معبرًا عن عمق الأزمة التي ضربت الاقتصاد الأمريكي.

عباد الله، إنها ليست مفاجأة لنا ـ نحن المسلمين ـ أن يترنح اقتصاد يقوم على مبدأ الحرية المطلقة ويتغذى على الربا, ولكنها مفاجأة للعالم المتحضر الذي لا يؤمن بقيم نبيلة في البيع والشراء, كما أنها مفاجأة وإحراج لكل من نحا نحوهم أو دار في فلكهم, أما المسلمون فقد تعلموا منذ أكثر من 14 قرنا أنه لا توجد في السوق حرية مطلقة, وأن الربا كبيرة من الكبائر, وأنه لا يجر إلا الدمار وخراب الديار والويلات, وأنه محق للمال والبركات، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: 276] ، بل تعلم ذلك قبلهم اليهود والنصارى في كتبهم المنزلة من السماء كما أشار إليه الخالق سبحانه في قوله: وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء: 161] .

أيها المؤمنون، وحيث إن أسواقهم لا تدين إلا بالرأسمالية فقد تنكب هذا الخلق الضعيف طريق الحق, وخالفوا تعاليم الخالق، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] ، وتفننوا في تشريع قوانين أرضية تناهض قوانين السماء, فأصدروا قانونًا يبيح الربا ويقنن الحصول عليه, وأسسوا مبادئ رأسمالية تحترم رأس المال ولا تحترم الآدمي ذاته؛ ولهذا جوزوا مثلا للشركات الزراعية أن يتلفوا محاصيلهم وأن يلقوها في المزابل ويدفنوها تحت التراب ليحافظوا على حركة العرض والطلب ولو تضور الفقراء جوعا! بل وضعوا تشريعات تنحني للغني على حساب المسكين، ولأن هذه المبادئ والمثل من وضع البشر وليست من خالق البشر فقد تراجع دعاتها وحماتها اليوم عما كان له صفة القداسة أمس.

لقد قيد الإسلام الحرية التي لا ترعي بالًا للفقير والمسكين, أو تلك التي تحترم الفرد على حساب الكل, فحرم الربا, ومنع من الإقراض بالفائدة؛ لما يؤديان إليه من أثر سلبي وخطير على الفقراء وعلى الاقتصاد العام، وسمح بالدَين ولكن في حدود الحاجة, وبضوابط شرعية تمنع من وقوع أزمات أو حدوث انهيارات تضر بأصحاب الأموال أو تلحق الضرر بالاقتصاد العام.

ولهذا نجد الشارع الحكيم قد وضع للدين ضوابط كثيرة تكبح جماحه وتسمح بالاستفادة منه بالقدر الذي لا يضر بالفرد والمجتمع, ولهذا نجد نصوصا شرعية كثيرة تلمح إلى خطر الدين, كما في استعاذته من المغرم وهو الدين ومن ضلع الدين أي: ثقله، كما في حديث البخاري: كان النبي يقول: (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال ) ), وفي صحيح البخاري أيضا عنه أنه كان يدعو في الصلاة ويقول: (( اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ) ), فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ ـ يا رسول الله ـ من المغرم! فقال: (( إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف ) )، وفي سنن النسائي أنه كان يدعو بهذه الكلمات: (( اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء ) )، واليوم نرى كيف غلبت الديون شركات وبنوكا كبرى, وأرغمتها على الإفلاس.

كما ألمح هذا إلى خطر الدين فقد ألمح إليه أيضًا عدم صلاة النبي على من توفي وعليه دين, كما جاء في صحيح البخاري: أتي رسول الله بجنازة فقال: (( هل عليه دين؟ ) )قالوا: نعم, قال: (( هل ترك شيئا؟ ) )قالوا لا, قال: (( صلوا على صاحبكم ) )، قال أبو قتادة رضي الله تعالى عنه: هو عليّ يا رسول الله, فصلى عليه رسول الله ، بل ألمح إلى خطره ببيان أنه من الأشياء التي لا تغفر للعبد مهما بلغ صلاحه, ولهذا جاء في صحيح مسلم: (( يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ) ).

أحبتي في الله، وها نحن نرى اليوم أزمة الائتمان المفتوح في الدول الكافرة, وما خلفته من ضحايا في طول العالم وعرضه, ثم توزيع هذه الأزمة بالمجان على البنوك والشركات والأفراد.

أيها المؤمنون، وقد أمر الشارع المسلم بضرورة إعادة الدين إلى صاحبه, وبتحسين النية عند اقتراض المال للحاجة, كما جاء في صحيح البخاري: (( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه, ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ) )، وهذا فيه تحذير من تبييت المقترض للنية السيئة وإضمار عدم السداد؛ وذلك محافظة على الأموال وصيانة لها من الأيدي العابثة وحرصًا على عدم تعريض المجتمع إلى هزات عنيفة بسبب الديون المتراكمة.

لقد نظم الإسلام الحياة الاقتصادية بقانون من الخالق جل وعلا, وذلك لينعم الخلق بحياة اقتصادية آمنة, تحترم الغني والفقير, وتراعي المصلحة العامة والخاصة, وتحفظ للناس حقوقهم, ولهذا أجازت البيع، وحرمت الربا والغرر والتغرير والقمار، وأذنت في التجارة, ومنعت الاحتكار وبيع البائع ما لا يملك أو ما ليس في حوزته ومِن رِبحِ ما لا يضمن؛ ليقتسم الجميع الربح والخسارة.

ولو أخذت النظم الحديثة بهذا القانون الإلهي العادل لم تحتج إلى تجربة شيوعية ولا رأسمالية يَثبت فشلها مع مرور الأيام, وتتعرض الأسواق بسببها للانهيار والشركات للإفلاس والتقبيل, ولكن ليس بعد الكفر ذنب.

إخوة الإسلام، ولعلنا هنا نعرج على بعض الأسباب الخفية التي كانت وراء هذه الأزمة المالية العالمية، ونحن نعتبرها خفية لأن كثيرًا من الناس قد لا يعتبرونها أسبابًا للمشكلة مع أنها من الأسباب الحقيقية لها والله أعلم:

أولًا: النظام الربوي الذي يقوم عليه اقتصاد اليوم، والذي يمثل عدوانًا صارخًا على مفهوم الإنسانية وما يتفرع منها من قيم التسامح والتكافل، فهذا النظام محكوم عليه بالفشل حتى وإن حقق نجاحات جزئية وقتية؛ لأن الله تعالى تكفل بإفشاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة: 278، 279] ، والمجتمعات الرأسمالية بيان واضح للظلم الناشئ من النظام الربوي السائد.

ثانيًا: الحروب الظالمة في العراق ومن قبلها أفغانستان وغيرها من الدول التي تحاربها دول بالأصالة أو النيابة، وهو الأمر الذي كان متوقعًا منذ أن بدأت الدول الكافرة الظالمة توسعها الإمبراطوري على حساب الدول الإسلامية، فالتوسع يقابله استنزاف للموارد والإمكانيات، وهو الأمر الذي تسبب في إرهاق الخزانة المالية لديها، فهذه الحروب تستنزف مليارات الدولارات شهريًا، فلعل هذه الأزمة عقاب لهذه الدول الظالمة جراء ظلمهم وعدوانهم.

أحبتي في الله، بل لعل الحصار الظالم المفروض على إخواننا في غزة الأبية هو من أسباب تلك الأزمة التي كانت عقابًا مضاعفًا للظلم المرير الذي يكتوي بناره المؤمنون المصابرون في تلك الديار المباركة.

ثالثًا: الحرب الضروس التي شنتها تلك الدول على المؤسسات الخيرية الإسلامية؛ مما تسبب في إغلاق العديد منها وتوقف أعمالها الخيرية، مما أدى إلى حرمان الآلاف من الجائعين والمحتاجين من الطعام والكساء، فكان أن ضربها الله في اقتصادها، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُون وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة رسوله ، قلت ما قلت، وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمدُ لله المرجوّ عفوُه وثوابه، والمخوف مكرُه وعقابُه، أحمده تعالى وأشكره، غمَر قلوبَ أوليائه برَوح رجائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له منّ على عباده بجزيلِ نعمائه وفَيضِ آلائه، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله سيّد أنبيائه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه وأصفيائه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

وبعد: فإن من أهم الدروس التي نستفيدها من هذه الأزمة التي عصفت باقتصاد العالم:

أولًا: أن الخير كل الخير في المنهج الرباني الذي رسمه لنا الإسلام في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعبادية وغيرها، وما تنكب الناس شرع ربهم وأعرضوا عنه إلى أخذتهم المصائب والأزمات والأمراض والمشكلات، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124] .

ثانيًا: أن الله تعالى ممهل العصاة لكنه لا يهملهم، ومتى أخذ الله أحدًا بمعصية أيًا كانت تلك المعصية فإنه يهلكه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال: (( إيّاكم ومحقرات الذنوب، فإنّما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود وذا بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ) ).

ثالثًا: أن الدول الكافرة وإن تعاظمت إلا أن نهايتها الزوال والذل والخسارة والبوار، ولئن كانت دول الغرب اليوم تتكبر على العالم فليست أول الهالكين، فلقد أهلك الله تعالى القرون الأولى بعد أن تجبرت وظلمت وطغت وبغت وكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وإن الذي أهلك فرعون وقارون وهامان وعادًا وثمود وأصحاب الرس لقادر سبحانه أن يهلك دول الكفر اليوم بقوله: كوني، فتكون كما يشاء سبحانه.

رابعًا: أن المستقبل للإسلام لا محالة، وأن الله تعالى ناصر دينه ومعز أولياءه، ومن دلائل ذلك ـ ونحن نتحدث عن الأزمة المالية ـ ما انتشر في وسائل الإعلام من مقولات ينطق بها عقلاء العالم ويصيحون بها أن ارجعوا إلى الإسلام ففيه الخير للعالمين. استمع ـ يا رعاك الله ـ إلى رئيس تحرير صحيفة فرنسية في الافتتاحية قبل ما يقرب من خمسة وعشرين يومًا، تحت عنوان:"هل حان الوقت لاعتماد مبادئ الشريعة الإسلامية في وول ستريت؟"يقول فيه:"إذا كان قادتنا حقًّا يسعون إلى الحد من المضاربة المالية التي تسببت في الأزمة فلا شيء أكثر بساطة من تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية". كما انتشر في الغرب وفي العالم العربي والإسلامي مقال رئيس تحرير مجلة"تشالنجر"كبرى الصحف الاقتصادية في أوروبا في افتتاحية الجريدة قبل شهر بعنوان:"البابا أو القرآن"، وجاء فيه:"أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا؛ لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من أحكام وتعاليم وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأن النقود لا تلد نقودًا".

فهذه المقولات وغيرها الكثير مما يدل على أن العالم بدأ يحمل أمتعته ويتوجه نحو الإسلام العظيم الذي أنقذ العرب في القديم، وسينقذ العالم كله في القريب العاجل بإذن الله.

عباد الله، صلوا على نبي الرحمة وإمام الأمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم احفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، اللهم من أراد بنا سوءًا فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرا عليه، وافضحه على رؤوس الأشهاد، اللهم ومن كان في بقائه صلاح للإسلام والمسلمين فوفقه وأيده، ومن كان في بقائه ضرر على الإسلام والمسلمين فخذه أخذ عزيز مقتدر. اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والزنا والزلازل والفتن ما ظهر منها وما بطن...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت