فهرس الكتاب

الصفحة 1543 من 5777

إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-نص حديث: (( الحلال بيّن والحرام بيّن ) ). 2- شرح مجمل للحديث. 3- أهمية صلاح

القلب. 4- خطورة القول على الله بغير علم.

جاء في الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسدُ كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ).

أيها الإخوة: إن الحلال بين، مثل أكل الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام واكتساب المال من البيع والشراء فيما أحله الله أو من الميراث والهبة، وغير ذلك، من الأمور المعلومة بالكتاب والسنة.

والحرام بين كأكل الخبيث وشرب الخمر والكذب والسرقة والرشوة، وإيذاء الناس في أنفسهم وأموالهم إلى غير ذلك من الأمور المحرمة المعروفة بالكتاب والسنة.

قال تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.

قال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء. وقال تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ) )وقال أبو ذر رضي الله عنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علمًا.

ولكن هناك أمور مشتبهة لا يعلمها كثير من الناس لا بد من الرجوع فيها إلى العلماء الربانيين الذين يحفظون العلم ويقيسون الأمور على هدي من الله وعلى وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى المسلم إذا اشتبه عليه أمر أن يتورع فيه ويدعه حتى تستبين له الأمور.. لأن الأمر المشتبه قد يكون حرامًا عند ذلك يكون تركه واجبًا.. فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى التمرة ساقطة على فراشه فلا يأكلها خشية أن تكون صدقة، والصدقة معلوم أنها محرمة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع في الماء لأنه ربما مات الصيد بسبب ذلك وليس بفعل الصائد - فكل أمر فيه شبهة يتقيه المسلم حفاظًا على دينه وخوفًا من الزلل والوقوع في الحرام.

فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه أي طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين، فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها فقد حصّنَ عرضه من الذم والقدح الذي يصيب من لا يتقيها، ويسلم بذلك في الدنيا والآخرة.

وهذه أيها الإخوة: صفات المتقين الذين يدعون ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وأما الأمور المحرمة فيجب تركها بالكلية وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. أما الذي لا يحلل ولا يحرم في المسائل المشتبهة وينساق وراء هواه تقليدًا للناس دون تورع فإنه كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وحمى الله محارمه وسماها الله حدودًا، قال تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها وقال تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.. فمن وقع في الشبهات قارب الوقوع في الحرام، فمن ترك دابته ترعى حول الحمى فإنها ستدخله وترتع فيه.

وهذا كله راجع إلى قلب المسلم راجع إلى هذا الملك. ملك الأعضاء فإذا صلح الملك انقادت له جميع الأعضاء بالصلاح والتقوى، وإن فسد فسدت، لأن الأعضاء جنود طائعون لا يخالفونه في شيء.

ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم. قال تعالى: يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ولا يستقيم القلب ولا يسلم إلا إذا امتلأ بمحبة الله عز وجل ومحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ومحبة المؤمنين ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله وكراهية معصية الله عز وجل.

فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمتهُ ومحبته وخشيتهُ ومهابتهُ ورجاؤه والتوكل عليه وحتى يكون الله الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الواحد الأحد الذي لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله هو النبي المطاع المتبع. قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: (( من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان ) )ومعنى هذا أن حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك، ظاهرًا وباطنًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه وكفت عما يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكرهه الله وإن لم يتيقن ذلك.

أيها الإخوة: حرم ربي الفواحش ظاهرها وباطنها والمنكرات وكل إثم يفعله الإنسان سواء ضرره على نفسه أو ضرره متعدٍ إلى غيره، وهذا هو البغي بغير الحق قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا ضرر ولا ضرار ) )فلا يصح أن تضر نفسك أيها الإنسان ولا تضر غيرك، وكل معصية هي في الواقع تضر الناس بل تضر كل المخلوقات، جاء عند الترمذي وابن خزيمة وهو في صحيح الجامع عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كان الحجر الأسود أشدّ بياضًا من الثلج حتى سودته خطايا بني آدم ) )والحجر الأسود من أحجار الجنة ويشهد لكل من قبّله اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم في الطواف وكان أبيض، ولكنه اسود من خطايا بني آدم.. فالذنوب تؤثر على جميع المخلوقات.. ونحن نعيش قلة الأمطار وقلة البركة في الوقت والمال وكثرة الفتن واقتتال في العالم وما هي إلا بسبب الذنوب والمعاصي. وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وهذا من أشد أنواع الظلم، كما قال تعالى: إن الشرك لظلم عظيم والشرك لا يغفر لصاحبه كما قال سبحانه وتعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ومنها الفتاوى التي يصدرها الناس دون علم ودون خوف ولا وجل، وهي تكاد تكون أعظم من الشرك لأن الله عز وجل ذكر في هذه الآية الفواحش والذنوب والبغي ثم ارتقى إلى الشرك ثم إلى القول على الله بغير علم، فبدأ سبحانه بالأدنى من الذنوب والمعاصي إلى الأعلى، فالقول على الله بغير علم كاد أن يكون أشد ذنبًا من الشرك، ويدخل تحت هذا الذين يروون الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل أيضًا من يدعو إلى البدع والمحدثات مما لم يشرعه الله عز وجل ولا رسوله والذين يقيمون الأعياد ويدعون الناس للاحتفال بها غير عيدي الأضحى والفطر كالأعياد الوطنية أو القومية وما شابهها، ويدخل أيضًا الذين يصدرون الفتاوي لإرضاء الحكام فيحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل.

أسأل الله العلي العظيم أن يحفظنا بحفظه وأن يهدينا لما يحبه ويرضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت