الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
1-كثرة الفتن في هذا الزمان. 2- أهمية الوقاية من الفتن. 3- أسباب الوقاية من الفتن.
أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فإن من اتقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2، 3] .
أيها المسلمون، إننا اليوم نعيش فتنًا عظيمة ومصائب جمّة، فتن شبهات وشهوات، تموج أعاصيرها كموج البحار، وتتقلّب فيها القلوب كما تتقلب القدر إذا استجمعت غليانًا، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا موقنًا متمسّكًا ويصبح منافقًا متشكّكًا، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل، ويتخلّى عن ثوابته ومبادئه، ويرخص قيمه ومثله، يعادي من كان له وليًا، ويوالي من هو ألدّ أعدائه إليه، ويرى القبيح حسنًا والحسن قبيحًا. وما ذلك ـ أيها الإخوة ـ إلا لضعف البصيرة عند كثير من المسلمين اليوم، وابتعادهم عن دينهم الذي هو منبع عزهم ومصدر ثباتهم، وتفاوت مشاربهم واختلاف أهدافهم وأهوائهم، الأمر الخطير العظيم الذي يحتم على كل مسلم يستشعر أعظم نعمة وأجل منحة منحه الله إياها ألا وهي الإسلام، ويطمع في أن يلقى الله عليها غير مبدّل ولا مغير، يحتم عليه أن يسعى لحفظ هذه النعمة، ويوجب عليه التمسك بهذه المنحة. ولا عجب أيها الإخوة، فإن الفتن بأنواعها تنساب إلى من لا يتوقاها، بل وتندفع إليه، كما يندفع السيل إلى منحدره، قال: (( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرّف لها تستشرفه ) )، أي: من تطلّع إليها وتعرّض لها واتته فوقع فيها.
ولقد كان الحرص على تثبيت الإيمان في النفوس والخوف كل الخوف من الانزلاق عند تضارب الآراء وظهور الأهواء كان محل اهتمام سادات الأمة وسلفها الصالح، ذكر سبحانه عنهم أنهم كانوا يقولون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران:8] ، وقال عنهم: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:147] ، وقال: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:250] ، وروى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب قال: كان النبي ينقل التراب يوم الخندق حتى اغمر بطنه أو اغبر بطنه، يقول:
(( والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنْزِلَنْ سكينةً علينا وثبّتِ الأقدامَ إنْ لاقينا
إنَّ الأولى قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنةً أَبَيْنا ))
ويرفع بها صوته: (( أبينا، أبينا ) ).
ألا فليحرص كل امرئ يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، ليحرص على تثبيت نفسه على دين الله، وليحذر الفتن ومضلاتها، وليحصن نفسه بما يستطيع من تحصينات، وليبذل الأسباب التي تعينه على مواجهة هذا السيل الجارِف العَرَمْرَم الذي تجاوز الحدود وهدم السدود واقتلع بعض القلوب من جذورها.
ألا وإن من الأسباب التي تعين ـ بإذن الله ـ على الثبات ومواجهة الفتن ما يلي:
أولًا: أن يُقْبِل المسلم على كتاب ربه بروحه ومشاعره، وأن يطبّق ما فيه قولًا وعملًا واعتقادًا، وأن يعيشه تعلّمًا وتعليمًا وتلاوة وتدبرًا، فإن فيه العصمة لمن اعتصم به، وإن فيه الثبات لمن طلبه فيه، قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] ، وقال سبحانه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا [النحل:102] ، وقال جل وعلا: وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] .
ثانيًا: طلب العلم والإخلاص في تحصيله، والحرص على الاتباع والبعد عن الابتداع، والأخذ بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، والاستزادة من علم من قال الله فيهم: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18] ، ومن عناهم بقوله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ، ومن أشار إليهم بقوله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122] .
ثالثًا: كثرة الأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله، المتابَع فيها رسول الله، قال سبحانه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27] ، والإيمان الذي يثبت الله أهله هو الإيمان الصحيح السليم، الخالي من الشكوك والشبه، الخالص من الريب والاعتقادات الفاسدة، والآراء المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة، وقال: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ) ). وإن كثرة العبادة ـ أيها المسلمون ـ في أوقات الفتن المدلهمة لهي من أفضل الأعمال وأزكاها عند الله عز وجل، قال: (( عبادة في الهَرْج كهجرة إلي ) ).
رابعًا: البعد كل البعد عن مظان الفتن ومواقعها ومسبباتها، من ملبوس أو مأكول ومشروب، أو مقروء أو مسموع ومرئي، أو مصاحبة أو مجالسة.
وإن مما يذكر في ذلك ويحذر منه ما غُزِي به المسلمون اليوم من وسائل إعلام مضللة، من قنوات وإذاعات، وجرائد ومجلات، وشبكات معلومات واتصالات، قرّبت البعيد وأغوت الرشيد، يكتب فيها ويتكلم أناس لا خلاق لهم ولا ميثاق، كذَبَة خَوَنة، منافقون غَشَشة، ينقلون للعالم ما يشاؤون من أكاذيب، ويخفون الحق ويقلبون الحقائق، يمدحون من ليس أهلًا للمدح، ويذمون من لا ذم فيه، ويؤذون أولياء الله ويحاربون أنصار دينه، مصادرهم وكالات أنباء يهودية ماسونية، ومعتمدهم على أخرى نصرانية صليبية، يدسون السم في العسل، ويخلطون الحق بالباطل، متكئين على من طمس الله بصيرته من المتعالمين، أصحاب المدارس العقلانية والشهوانية، الذين يقدمون العقل على الشرع، ويزعمون أنهم يراعون المصالح ويقدمونها، فيقولون ما لا يعلمون، ويفتون بما يجهلون، ويهْرِفُون بما لا يعرفون. فرحم الله امرأً أسلم وجهه لله، ورجع إلى كتاب الله وسنة محمد بن عبد الله، فاستقى من ذلك المورد الذي لا ينضب، ونهل وعَلَّ من ذلك الماء المعين، وعرض على مقياس الشرع كل ما سمعه أو قرأه، فإن كان له موافقًا أخذ به وقبله، وإلا ضرب به عرض الحائط ولا كرامة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:7-11] .
أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، وتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فإن أجسامكم على النار لا تقوى.
أيها المسلمون، وخامس الأسباب التي تقي من الفتن ـ بإذن الله ـ البعد كل البعد عن الحرص على المال والشرف، والحرص على عدم الركون إلى الدنيا وأهلها المنغمسين فيها، قال عليه الصلاة والسلام: (( ما ذئبان جائعان أرسلا في زَرِيبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) ).
ألا فاتقوا الله عباد الله، واعتصموا بكتاب ربكم وسنة نبيكم محمد ، عضوا عليهما بالنواجِذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
هذا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على رسول رب العالمين وخير البرية أجمعين...