فهرس الكتاب

الصفحة 3803 من 5777

تحريم الظلم والأمر برد المظالم 2

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

فرج بن حسن البوسيفي

بنغازي

الأرقم بن أبي الأرقم

1-أحاديث في التحذير من الظلم. 2- الظلم رديف للخيانة. 3- شمول لفظ الظلم. 4- الذنوب من ظلم الإنسان نفسه. 5- فضيلة العدل والحث عليه.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا فالظلم مرتعُه يفضي إلى الندم

تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

وبعد: إن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإن مما ورد في التحذير من الظلم أن المسلم الصادق هو الذي يسلم الناس من ظلمه فلا يظلم أحدًا بلسانه أو بيده، فقد قال: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) ).

وبيّن النبي أن الظلم كله حرام، سواء أكان في العرض أو في المال أو الدم، (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ ) )، وفي الحديث الآخر: (( من اقتطع ـ أي: أخذ ـ حق امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ) )، فقال له رجلٌ: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟! قال: (( وإن قضيبًا من أراكٍ ) )أي: عود سواك.

ففي هذا الحديث يبين النبي أن من الظلم خيانة الأمانة، بأن تخون من أمنك ولو في عود سواك، بل جاء في الحديث الآخر ـ وهو في صحيح مسلم ـ أن الخيانة من الظلم ولو كانت في إبرة، فقد بيّن المصطفى أن كل إنسان نُصّب مسؤولًا عن أمانة صغيرة كانت أو كبيرة، فهو مسؤول عنها أمام الحق العدل سبحانه وتعالى، ففي صحيح مسلم عن ابن عميرة قال: سمعت رسول الله يقول: (( من استعملناه منكم على عملٍ فكتمنا مخيطًا ـ أي: فسرق إبرة ـ فما فوقه كان غلولًا ـ أي: كان سرقة ـ يأتي به يوم القيامة ) )، قال: فقام إليه رجلٌ أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال: (( وما لك؟ ) )قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: (( وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عملٍ فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى ) ).

وتفسير الخيانة بالظلم في الحديث السابق واضح كوضوح الشمس، فإن المسؤول في جهةٍ ما عندما يأخذ الحق العام ويغتصبه لنفسه فقد حرم الناس من حقوقهم وظلمهم، فأي ظلم أعظم من هذا الظلم؟!

وقد غزا رجل مع رسول الله في غزوة خيبر، وأخذ عباءة قبل أن تصيبها الغنائم، فهي من الحق العام، وليس له أن يأخذها حتى يعطيها له ولي الأمر، فقُتِل، فقال أصحاب النبي: فلان شهيد، فقال النبي: (( كلا، إني رأيته في النار في بردةٍ غلّها أو عباءةٍ ) ).

أهلكت نفسك يا ظلوم بما ادخرت من المظالم

أظننت أن المال لا يفنى وأن الملك دائم

هيهات أنت وما جمعت كلاكما أحلام نائم

تفنى ويفنى والذي يبقى الخطايا والمآثم

الذنوب صغيرها وكبيرها من ظلم الإنسان لنفسه، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ [فاطر:32] ، والذنب إذا كان بين العبد وربه فهو إلى الرحمة والمغفرة أقرب، وإذا كان الذنب بين العبد وربه وفيه حقوق للعباد فمن شروط التوبة منه أن يتحلل من حقوق الناس، وإن لم يفعل ذلك فوراءه يوم عظيم، وخاصة إذا كان الذنب من قبيل الشتم أو القذف أي: أن يتهم المسلم بالزنا أو أكل مال الناس بالباطل عن طريق الرشوة والسرقة والنصب والاحتيال أو كان بضرب الناس أو قتلهم، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( أتدرون ما المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (( إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ) ).

إن الله يحب منا أن نتخلق بأخلاقه، ومن أسمائه سبحانه المقسط، فهو سبحانه وتعالى قائم بالقسط، ينتصف للمظلوم ممن ظلمه، وينصر المستضعفين على من استضعفهم.

من الحق والعدل دفع الظلم بأن تعطى أصحاب الحقوق حقوقهم من والدين وأقارب وجيران وعامة المسلمين، قال: (( لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، ـ ويشير إلى صدره ثلاث مراتٍ ـ بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ؛ دمه وماله وعرضه ) )، وقال: (( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ) )، وأشار بأصابعه إلى صدره.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت