فهرس الكتاب

الصفحة 4433 من 5777

حرز العبد من الشيطان

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

الجن والشياطين, الدعاء والذكر

غازي بن سالم بن صالح

دبي

سالم بن بخيت البخيت

1-المحافظة على الذكر من أعظم أسباب الوقاية من الشيطان. 2- ملازمة الشيطان للإنسان بقصد إغوائه. 3- حرص الشيطان على إفساد صلاة العبد. 4- آداب تقي من كيد الشيطان. 5- حرص الشيطان على إفساد العلاقة بين المسلمين.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المؤمنون، اعلموا ـ رحمكم الله ـ أن من أعظم ما يعصم المرء به نفسه من كيد الشيطان هو المحافظة على ذكر الله وطاعته في المدخل والمخرج، فإن الشيطان أحرص ما يكون على صَرْف المسلم عن ذكر الله تعالى؛ ليستحلّ بذلك ماله ويستطيع إيذاءه، وما استحوذ الشيطان على قوم إلا في حال غفلة ولهو وبعد عن الله تعالى، ولذا كان المنافقون أقل الناس لله ذكرًا؛ لأنهم كما قال الله تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:19] ، وقد حذّر الله سبحانه المؤمنين من الغفلة عن ذكره وطاعته فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9] . فإذا غفل الإنسان وشغل بماله وما آتاه الله من الدنيا كان للشيطان منه حظ ونصيب.

وقد أخبر النبي أن الشيطان يحضر ابن آدم عند كل شيء وفي كل وقت، كما في صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت النبي يقول: (( إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه ) )، فهو على هذا يترصد بالإنسان في كل وقت وحين، فإذا نسي المسلم ذكر الله استطاع الشيطان النيل منه. أخرج النسائي عَنْ سَبْرَةَ بنِ أَبِي فَاكِهٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله يقول: (( إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرُقِهِ، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟! وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِّوَل، فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جَهْد النفس والمال، فتقاتل فتُقتَل، فتُنكح المرأة، ويُقسم المال؟! فعصاه فجاهد ) )، فقال رسولُ الله: (( فمن فعل ذلك كان حقًّا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قُتِل كان حقًّا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، أو وَقَصَتْه دابته كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة ) ).

وأعظم ما يحرص عليه الشيطان من المسلم أن يصده عن الصلاة، فأول ما يبدأ به الشيطان مع الإنسان في أمر صلاته أنه إذا نام عَقَد عليه ثلاث عُقَد ليُثْنيه عن القيام للصلاة، لا سيّما صلاة الصبح، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسولَ الله قال: (( يعْقِدُ الشيطان على قَافِيَة رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَد، يضرب كل عُقْدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلّت عُقْدة، فإن توضأ انحلّت عُقْدة، فإن صلى انحلّت عُقَده كلها، فأصبح نشيطًا طيّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) ). فإذا عصاه المسلم وصلى جاءه الشيطان يُلبّس عليه صلاته، كما في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله قال: (( إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فَلَبَّس عليه حتى لا يدري كم صلّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس ) )، يعني للسهو. وفي صحيح مسلم أن عثمان بنَ أبي العَاصِ أَتَى النبي فقال: يَا رسولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطانَ قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلْبِسُهَا عَلَىَّ، فقال رسولُ اللهِ: (( ذاك شيطان يُقال له: خِنْزَب، فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه، واتْفُل على يسارك ثلاثًا ) )، قال: ففعَلْتُ ذلك فأذهبهُ اللهُ عَنِّي.

ومما يعصمك ـ أخي المسلم ـ من الشيطان الدعاء عند دخول المسجد بما في سنن أبي داود عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ عن النبي أَنَّهُ كان إِذَا دخل المسجدَ قال: (( أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم ) )، قال: (( فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظ مني سائر اليوم ) ). وكم من الناس ـ أيها المؤمنون ـ من يلبّس الشيطان عليهم صلاتهم ولا يجاهد المرء نفسه في إحسان صلاته، والله المستعان.

عباد الله، وليسلم المرء من أذى الشيطان فقد حث النبي على ذكر الله تعالى عند دخول البيت والخروج منه وعند الطعام والشراب ونحو ذلك، كما في صحيح مسلم عن جَابِرٍ قال: سَمِعْتُ النبي يقولُ: (( إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليُمِطْ ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ) )، وفي مسلم أيضًا عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع النبي طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرّة طعامًا فجاءت جاريةٌ كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده، فقال رسول الله: (( إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يُذكَر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها ) )، وفي مسلم أيضا عن جابرِ بن عبدِ الله أَنَّهُ سمع النبي يقولُ: (( إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء ) ).

ومن الآداب التي تقيك من كيد الشيطان غسل اليدين من الطعام قبل النوم، فقد روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( من باتَ وفي يَدهِ رِيحُ غَمَرٍ فأصابهُ شيء فلا يَلُومَنَّ إِلا نفسَهُ ) ). وعند خروجك من البيت اذكر الله يعصمك الله من الشيطان، ففي سنن أبي داود عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النبي قَالَ: (( إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله ) )، قَالَ: (( يُقال حينئذ: هُدِيت وكُفِيت ووُقِيت، فتتنحّى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدِي وكُفِي ووُقِي؟! ) )، وفي المسند عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي قَالَ: (( ما من خارج يخرج من بيته إلا ببابه رايتان: راية بيد ملك وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله عز وجل اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته ) ).

عباد الله، ومن الآداب التي تعصم من كيد الشيطان ما رواه الشيخان عن جابر بْن عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (( إذا كان جُنْح الليل ـ أو أمسيتم ـ فكفّوا صبيانكم؛ فإن الشيطان ينتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلّوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قِرَبَكم واذكروا اسم الله، وخَمّروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم ) ).

فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على التأدب بهذه الآداب النبوية، وأكثروا من ذكر الله تعالى، فإن الشيطان أبعد ما يكون من الذاكرين لله تعالى، كيف لا وهم المفَرِّدُون السابقون كما في الحديث الصحيح عن النبي ؟!

قال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.

أيها المسلمون، وكما أن الشيطان يحرص على إفساد صلة العبد بربه وصرفه عن إحسان العبادة والنيل منه فإنه كذلك يحرص على إفساد علاقة الناس ببعضهم، فإن من كيد الشيطان إساءة الظن بالآخرين والتحريش بين المسلمين، وقد جاء في صحيح مسلم عن أنس أنّ النبي كان مع إِحدى نِسائِهِ، فمرّ بِهِ رجلٌ فدعاه فجاء فقال: (( يا فلان، هذه زوجتي فلانة ) )، فقال: يا رسول اللّهِ، من كنت أظنّ بِهِ فلم أكن أظنّ بِك، فقال رسول اللّهِ: (( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ) ). وفي الصحيحين عن صفِيّة بِنتِ حُييٍّ قالت: كان النبي معتكِفًا فأتيته أزوره ليلًا، فحدّثته ثمّ قمت لأنقلِب فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دارِ أسامة بنِ زيدٍ، فمرّ رجلانِ مِن الأنصارِ، فلمّا رأيا النبي أسرعا، فقال النبي: (( على رِسْلِكُما، إنها صفية بنت حُيي ) )، فقالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا ) ). وفي صحيح مسلم عن جَابِرٍ قَال: سَمِعْتُ النبي يقولُ: (( إن الشيطان قد أَيِِسَ أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ) ).

والشيطان يحضر الناس في بيعهم وشرائهم ليلقي العداوة بينهم بالغش والخداع، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة ) )رواه الترمذي. وفي الصحيحين عن سليمان بن صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النبي وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وأحدهما يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النبي: (( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) )، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النبي ؟! قَالَ: إني لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.

أيها الناس، إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ؛ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، فاحذروا كيد الشيطان، وعليكم بذكر الرحمن والاعتصام به، فإن من التجأ إلى الله كفاه ما أهمه، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت