الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الجن والشياطين, الفتن
غازي بن سالم بن صالح
دبي
سالم بن بخيت البخيت
1-تاريخ عداوة الشيطان للإنسان. 2- صور من كيد الشيطان بالإنسان. 3- سبل الوقاية من كيد الشيطان.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المؤمنون، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] .
أرشد الله عباده في هذه الآية إلى لزوم معاداة الشيطان، والحذر من كيده، والبعد عن طاعته، فإنه يقود كل من اتبعه إلى النار.
لقد أضمر الشيطان عداوته للإنسان منذ صوَّر الله آدم عليه السلام، ففي صحيح مسلم عن أنَسٍ أَنَّ رَسُولَ الله قال: (( لما صوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يُطِيفُ به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِق خَلْقًا لا يَتَمَالك ) ).
ولما نفخ الله فيه الروح أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام تكريمًا له، فسجدوا إلا إبليس، كما قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50] .
لقد أعلن الشيطان ـ منذ تمرد وعلم أنه من الخاسرين ـ أنه لن يترك الناس حتى يغويهم عن الصراط المستقيم، كما قال الله سبحانه عن الشيطان: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:16، 17] ، وقال سبحانه: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82، 83] .
وأسكن الله تعالى آدم عليه السلام الجنة، فلم يزل بآدم وحواء عليهما السلام حتى ذاقا الشجرة، قال الله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف:20-22] . أُخرِج آدم وحواء من الجنة، وأُخرِجت ذريتهما معهما بكيد من الشيطان الرجيم، وهو لا يزال يكيد لابن آدم المكائد حتى يضله عن الهدى والصراط المستقيم.
الشيطان هو الذي زيّن لابن آدم قتل أخيه، ولم يكن القتل معروفًا في بني آدم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الآيات [المائدة:27] .
وكل يوم يسعى في بني آدم بالشر والفساد، فيضل أقوامًا كثيرين، كما قال الله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:60-62] . إنه ليضل أناسًا حتى يقعوا في الكفر عياذًا بالله، كما قال تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:16] ، والشيطان كاذب في دعواه أنه يخاف الله تعالى، كيف يخاف الله وهو مقيم على معصية الله تعالى، محارب لله ورسوله وأولياء الرحمن؟! ومن عجبٍ أن يكون خوف بعض الناس اليوم من الله تعالى كخوف الشيطان، يدّعي أحدنا الخوف من الله تعالى وهو مقيم على معصيته، يدّعي أحدنا الخوف من الله تعالى وهو يبارز الله بالمعاصي، يدّعي أحدنا الخوف من الله وهو يأكل الربا ولا يدري ماله من حلال دخل عليه أم من حرام، ولو خاف العبد من الله تعالى لما بارزه بالمعصية، فالخوف من الله يورث عند العبد تقوى الله باجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ، وفعل ما أمر الله به ورسوله.
أيها المؤمنون، روى الإمام مسلم عن جَابِر بن عبد الله: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (( إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرّقت بينه وبين امرأته، قال: فيُدْنِيه منه، ويقول: نعم أنت ) ). وفي صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم عن أبي موسى الأشعري عن النبي قال: (( إذا أصبح إبليس بثّ جنوده، فيقول: من أضل اليوم مسلمًا ألبسته التاج، فيجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى عق والده، فقال: يوشك أن يبرّه، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى طلّق امرأته، فيقول: يوشك أن يتزوج، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت، ويلبسه التاج ) ).
وروى مسلم في صحيحه عن عبد اللهِ بنِ مَسْعُودٍ قَال: قال رَسُولُ اللهِ: (( ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّلَ به قرينه من الجن ) )، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: (( وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير ) )، وفي رواية: (( ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ) ).
فهذا بيان ـ يا عباد الله ـ بكيد الشيطان للإنسان، وأنه ملازم لابن آدم يغويه ويضله ليعصي الله تعالى، فليكن المسلم على حذر من شيطانه، وليعتصم بالله، وليستعذ به من كيد الشياطين، قال الله تعالى: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [الزخرف:62] ، وقال سبحانه: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:186] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21] ، فأول ما يعتصم به العبد من الشيطان هو طاعة الله ومعصية الشيطان، والحذر من مكائده وخطواته.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الحكمة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
أيها المؤمنون، يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6] ، كيف يتخذ المسلم الشيطان عدوًا فينجو من كيده ويُعَاذ من شره؟
إن العبد إذا اتخذ الشيطان عدوًا فذلك يقتضي أن يسلك العبد جميع السبل التي تُعِيذُه من كيد الشيطان، وذلك بفعل ما أمر الله به ورسوله ، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ، وبذلك يكون قد أطاع الرحمن وعصى الشيطان، والمؤمن إن أصاب الشيطان منه غفلة تذكّر ورجع، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] .
فمما يستعيذ به العبد من الشيطان الرجوع إلى الله تعالى وعدم الإصرار على معصية الله، والاستغفار من الذنوب والآثام، والتوبة النصوح، يقول الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ، وفي سنن ابن ماجه عن عبد اللهِ بن بُسْرٍ قال: قَالَ النبي: (( طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا ) )، وفي المسند ومستدرك الحاكم عن أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقُولُ: (( إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني ) ).
فعلينا ـ أيها المؤمنون ـ بالاستغفار في الليل وفي النهار، فإنه يهدم الذنوب والآثام، وتُسْتَجلب به الرحمات والأمطار، ويُسترزَق به المال والبنون والجنات والأنهار.
أيها المؤمنون، وفي الكتاب والسنة حُرُوز كثيرة من كيد الشياطين لعلنا نأتي عليها في مناسبة أخرى.
اللهم إنا نعوذ بك من كيد الفجّار وشرّ الأشرار، وشرّ طَوَارِق الليل والنهار، اللهم اغفر لنا وتب علينا إنك كنت غفّارًا، اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين...