فهرس الكتاب

الصفحة 3762 من 5777

آفات اللسان 1

الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب

آفات اللسان, الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع

عبد العزيز بن الطاهر بن غيث

طرابلس

بلال بن رباح

1-عِظم اللسان وخطره. 2- تحريم الغيبة والنميمة. 3- ذكر مجموعة من آفات اللسان. 4- الوصية بحفظ اللسان.

وبعد: يقول تعالى في كتابه العزيز: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17، 18] ، ويقول في الحديث الذي رواه معاذ بن جبل والحديث أخرجه أحمد والترمذي: (( ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا ) )وأشار إلى لسانه، قال: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: (( ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟! ) ).

أيها المسلمون، كنا قد تكلمنا في الخطبة السابقة عن معصية قول الزور، وهي من آفات اللسان، وآفات اللسان كثيرة، لهذا نواصل الحديث في هذه الخطبة وفي الخطبة القادمة ـ بإذن الله ـ عن بعض آفات اللسان، سائلين الله سبحانه أن يسدّد ألسنتنا وأن يحفظها من كل سوء.

فاللسان من أكثر أعضاء الإنسان خطورة وأشدها فتكا بالإنسان، وهو أيضا من أهم الأعضاء التي تدخل الناس النار كما يقول في الحديث السابق: (( وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟! ) ). فاللسان إذا لم يضبطه الإنسان ويحسن استعماله فيما يرضي الله فإنه يُهلكه ويرديه، لهذا كان الصالحون من سلفنا الصالح يخافون ألسنتهم ويحذرونها ويراقبونها، فقد ورد أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يمسك بلسانه ويقول: (هذا الذي أوردني المهالك) ، وورد عن ابن عباس أنه كان يأخذ بلسانه ويقول: (ويحك، قل خيرا تغنم، أو أسكت عن سوء تسلم، وإلا فإنك ستندم) .

فاللسان عضو لا ينبغي للإنسان أن يهمله ويغفل عنه ظانا بأن أمر اللسان أمر يسير لا خوف منه، فهذا الظن خاطئ، بل إن أمر اللسان من أهم الأمور، ويكفي أن الأعضاء بكاملها تضع اللوم فيما يحدث منها على اللسان، ففي الحديث الحسن الذي رواه الترمذي وابن خزيمة عن أبي سعيد يقول: (( إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ) ).

وإن من أهم آفات اللسان ـ وهي كثيرة ـ الآفتان اللتان تتناولهما اليوم وهما الغيبة والنميمة، فهما مرضان عظيمان انتشرا بين الناس انتشار النار في الهشيم، ولعل انتشار الغيبة أعظم وأكثر بكثير من انتشار النميمة، وإذا ركز الإنسان على أي جلسة يحضرها طالت أو قصرت فإنه يجد أنها لا تخلو من الغيبة بحال من الأحوال، لا تخلو من ذكر عيوب الناس وما يكرهون أن يسمعوه من أمور، وهذه هي الغيبة كما عرَّفها رسول الله عندما سُئل عن الغيبة فقال: (( ذكرك أخاك بما يكره ) )، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟! قال: (( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ) )أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة.

والناس ـ كل الناس أو أكثرهم ـ يدخلون في أمر الغيبة هذا الأمر الخطير من باب المزاح وتزجية الأوقات والثرثرة، فحتى يمر الوقت وندفع الملل نخوض في كل الأمور، وفي ذكر سيئات وعيوب الغائبين عنا من إخواننا ومن عباد الله أجمعين، لا يسلم منا أحد، ونحن لا نشعر أننا نأكل لحوم هؤلاء الذين نغتابهم، يقول تعالى: وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّاب رَّحِيمٌ [الحجرات: 12 ] .

وتصور ـ يا عبد الله ـ لو وضعوا أمامك لحم آدمي هل تأكله؟ الجواب سيكون من الجميع: أعوذ بالله، أيعقل أن يؤكل لحم البشر؟! ولكننا جميعا نأكل لحوم بعضنا في المجالس والأحاديث التي نخوضها، كما أننا إلى جانب أكل لحم الشخص الذي نغتابه فإننا نأكل ونحرق حسناتنا والعياذ بالله، وهل حسناتك ـ أيها المسلم ـ كثيرة وثقيلة عليك حتى أضرمت فيها النيران لتحرقها؟! يذهب أحدنا إلى المسجد، فيبقى فيه ربع ساعة أو أكثر ليصلي ويسبح أو يتلو القرآن، فيرجع ببعض الحسنات والحمد لله، ولكنه يجلس بعدها في أحد المجالس ساعتين، فإذا به يحرق الحسنات التي اكتسبها في المسجد ويحرق معها غيرها من الحسنات، فهل هذا من الدين أو من العقل؟!

يا من تتّبِع عورات المسلمين وتغتابهم، أبشر بأنك ستفضح ولو في قعر بيتك، يقول كما في مسند أحمد والسنن الأربعة من حديث أبي برزة: (( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته ) )، والذي يجلس مع المغتاب أو يستمع إليه مشارك له، فاحذر أيها المسلم، فإما أن تنهى المغتاب عن غيبته أو أن تترك المجلس، ولو اضطررت أن تترك هذه المجالس إلى الأبد، فلا شك ولا مرية في أن حسنات الإنسان ومنزلته عند الله أعز عليه من أن يفرِّط فيها ويُفسد أعماله الصالحة بهذه السهولة، قال سفيان بن حصين: كنت جالسا عند إياس بن معاوية فمر رجل فنلت منه ـ أي: وقعت في غيبته ـ فقال لي: اسكت، ثم قال لي: يا سفيان، غزوت الروم؟ قلت: لا، قال: غزوت الترك؟ قلت: لا، قال: سلم منك الروم والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم! قال: فما عدت إلى ذلك بعد.

وإليكم هذا الحديث العظيم في نهاية كلامنا عن الغيبة، يقول: (( لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) )أخرجه أبو داود عن أنس. هذا هو عذاب الذين يغتابون الناس ويذكرون معايبهم يخبرنا عنه رسول الله.

أما النميمة ـ إخوة الإيمان ـ فهي أيضا ذنب عظيم لا يرضاه الله سبحانه وتعالى؛ لأن فيه الإفساد بين المسلمين وتفريق شملهم وإضعاف صفهم وزرع بذور الشقاق بينهم، لهذا قال فيما اتفق عليه الشيخان من حديث حذيفة: (( لا يدخل الجنة قتات ) )أو: (( لا يدخل الجنة نمام ) )، وهما بنفس المعنى. فها هي أبواب الجنة قد أوصدت دونك أيها النمام، ها هي أبواب النعيم قد أغلقت في وجهك أيها القتات، يا من تفسد بين الناس، يا من تدخل بين الرفيقين وبين الصديقين وبين الجارين، فتزرع بذور الفتنة بينهما، وتوصل إلى كل طرف ما يسوؤه ويغضبه من الأمور نحو صاحبه، فتسوء العلاقة بينهما، فاعلم إن كنت لا تعلم أنك بهذا العمل من أعوان الشيطان ومن جنده المخلصين، لهذا مُنعت عنك الجنة كما مُنعت عنه، كما أن النمام يُعذَّب في قبره، فالنميمة من أهم أسباب عذاب القبر، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه مر على قبرين فقال: (( إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير. أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله ) ).

فانظروا ـ رحمكم الله ـ إلى آثار هذه المعصية معصية النميمة، وانظروا إلى مآل صاحبها، واحذروا أن تكونوا ممن يقعون في هذه المعصية فيقع عليهم عذاب القبر.

ومن أفضل ما يُتخذ مع النمام عدم الاستماع إليه؛ لأنه لن يكف عن هذه العادة القبيحة إلا بهذا الإهمال، كما أنك إن استمعت إليه فإنه كما نم لك سينم عنك، وكما أوصل كلام غيرك عنك إليك فسيوصل كلامك عن غيرك إليه، لهذا لا بد من عدم إتاحة الفرصة للنمام، رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فذكر عنده وشاية في رجل آخر فقال عمر: إن شئت حققنا هذا الأمر الذي تقول فيه وننظر نسبته إليه، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] ، وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:11] ، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدا. هذا هو الأسلوب الأمثل مع النمام حتى ينتهي عن هذه المعصية وعن هذه العادة السيئة.

وكلمة السوء ـ إخوة الإيمان ـ وبال على صاحبها، إذا خرجت منه لم تعد إليه أبدا، ولا يجني منها إلا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، يقول كما في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار ) ).

فاتقوا الله عباد الله، وأشغلوا ألسنتكم بما فيه نفعكم في الدنيا والآخرة، واستعملوها فيما يرضي الله من ذكر وخير وإصلاح بين الناس، يقول تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا [الإسراء:53 ] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وأجارني وإياكم من خزيه وعذابه الأليم، وغفر لنا إنه هو الغفور الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فاللسان ـ عباد الله ـ عضو حساس، يرتكب به الإنسان أكثر المعاصي، فمن معاصي اللسان الكذب وقول الزور والغيبة والنميمة والحلف الحانث والتنابز بالألقاب إلى غير ذلك من ذنوب ومعاص لعلنا نتعرض لها لاحقا، وهو أيضا سبب ومدخل لمعاصي أكبر، كالقتل والزنا وعقوق الوالدين وغيرها من المعاصي التي يكون أول مقدماتها اللسان بإطلاقه بالسوء والشر، وقد يكون الذنب بكف اللسان لا بإطلاقه، مثل ذنب كتمان الشهادة، فهو من معاصي اللسان العظيمة، فالشهادة أمر عظيم لا تقوم أمور المسلمين إلا به، وإذا كتمت الشهادة ضاعت الحقوق وشاع الظلم بين الناس، فلا ينبغي لمسلم أن يكتم الشهادة لمصالح دنيوية أو لكي يبقى الود بينه وبين بعض الناس، فيكون سببا في ضياع حقوق أناس آخرين أو وقوع الظلم عليهم، يقول تعالى: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: 283 ] ، قال الشافعي رحمه الله في كتاب الأم:"والذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات أنها في الشاهد قد لزمته الشهادة، وإن فرضًا عليه أن يقوم بها على والديه وولده والقريب والبعيد ولا يكتم عن أحد ولا يحابي بها ولا يمنعها أحدا"انتهى كلامه.

ويكفي كاتم الشهادة قول الله عز وجل عنه أنه آثِمٌ قَلْبُهُ ، فقد فسرها أهل العلم بأنه فاجرٌ قلبه والعياذ بالله.

فلا تكتموا الشهادة ـ عباد الله ـ حتى لا تُعوِّدوا قلوبكم على الإثم والفجور، واعلموا أنه كما يحتاج الناس لشهادتكم على ما رأيتم من أمور فإنكم قد تحتاجون في يوم من الأيام إلى شهادة الناس لكم، فهل ترضون أن يكتم مسلم شهادة تحتاجون إليها في إحقاق حق أو إبطال باطل؟ فإن كنتم لا ترضون هذا فلا ينبغي لكم أن تكتموا شهادة حقت عليكم.

هذا شيء من آفات اللسان ومخاطره، فاحذروا ألسنتكم، وأحكموا وثاقها حتى لا توقعكم فيما لا يحمد عقباه، يقول عبد الله بن مسعود: (ما على الأرض شيء أحق بطول سجن من لسان) ، وقال عمرو بن العاص يوصي ابنه: (يا بني، عثرة الرِّجل عظم يُجبر، وعثرة اللسان لا تبقي ولا تذر) .

اللهم قنا شر ألسنتنا، اللهم قنا شر ألسنتنا، اللهم قنا شر ألسنتنا، اللهم اجعل ألسنتنا ألسنة ذكر وتسبيح وتلاوة، ولا تجعلها ألسنة كذب وغيبة ولغو، اللهم إنا نسألك خير القول وخير العمل وخير الذكر وخير الدعاء برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت