فهرس الكتاب

الصفحة 5492 من 5777

الشفاعة والحشر(3)

الرقاق والأخلاق والآداب, قضايا في الاعتقاد

الشفاعة, الموت والحشر

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-يوم القيامة يوم الندم والحسرة. 2- أسماء يوم القيامة. 3- صفة أرض المحشر. 4- كيف يحشر الناس يوم القيامة. 5- الشفاعة العظمى يوم القيامة. 6- المقام المحمود من خصائص نبينا. 7- شفاعات غير النبي.

أما بعد: فإنا في غفلة عن يوم القيامة يوم الحسرة والندامة، حيث يندم من كان محسنًا كيف لم يزدد من كسب الحسنات وذلك بفعل الصالحات، ويندم من كان مسيئًا حيث لم يبتعد عما يغضب رب الأرض والسماوات حيث تثقله السيئات بارتكابه المنهيات والمحرمات والموبقات، قال تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ?لآزِفَةِ إِذِ ?لْقُلُوبُ لَدَى ?لْحَنَاجِرِ كَـ?ظِمِينَ مَا لِلظَّـ?لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ ?لأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ?لصُّدُورُ [غافر: 18، 19] ، وقال عز وجل: ?قْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـ?بُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ?سْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء: 1-3] ، وقال سبحانه وبحمده: يـ?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ?لسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ?لنَّاسَ سُكَـ?رَى? وَمَا هُم بِسُكَـ?رَى? وَلَ?كِنَّ عَذَابَ ?للَّهِ شَدِيدٌ [الحج: 1، 2] .

لقد عدّ بعض العلماء ليوم القيامة يوم الجزاء والحساب خمسين اسمًا، وقد ورد بعض الأسماء عشرات المرات في كثير من آيات القرآن الكريم، فهو يوم القيامة، ويوم الفصل، ويوم البعث، ويوم الدين، والحاقة، والقارعة، والطامة، والصاخة، والغاشية، والواقعة، وغيرها من الأسماء لذلك اليوم العصيب الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، اليوم الذي تشخص فيه الأبصار، يوم لا ينفع الظالمين معذرتُهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

قال تعالى: حَتَّى? إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَ?قْتَرَبَ ?لْوَعْدُ ?لْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـ?خِصَةٌ أَبْصَ?رُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ يـ?وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـ?ذَا بَلْ كُنَّا ظَـ?لِمِينَ [الأنبياء: 96، 97] ، وقال عز وجل: فَوْيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَ?كِنِ ?لظَّ?لِمُونَ ?لْيَوْمَ فِى ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ?لْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ?لأمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ?لأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم: 37-40] ، وقال عز شأنه: وَلاَ تَحْسَبَنَّ ?للَّهَ غَـ?فِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ?لظَّـ?لِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ?لأبْصَـ?رُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء وَأَنذِرِ ?لنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ?لْعَذَابُ فَيَقُولُ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ?لرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـ?كِنِ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ?لأمْثَالَ [إبراهيم: 42-44] .

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد ) )، وفي رواية: (( ليس فيها معلم لأحد ) )رواه البخاري ومسلم، والعفراء: البيضاء التي بياضها ليس بالناصع، والنقي: الخبز الأبيض، والْمَعْلَم بفتح الميم: ما جُعل علمًا وعلامة للطريق والحدود، وقيل: الأثر، ومعناه أنها لم توطأ من قبل حتى يكون فيها أثر أو علامة لأحد. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة ) )، فقالت امرأة: يا رسول الله، فكيف يرى بعضنا بعضًا؟! فقال: (( إن الأبصار خاشعة ) )، فرفع بصره إلى السماء، فقالت: يا رسول الله، ادْع الله أن يستر عورتي، قال: (( اللهم استر عورتها ) ). وقد ورد حول هذا المعنى في حديث عائشة رضي الله عنها وفي غيره.

قال تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ?لْغَـ?شِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـ?شِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى? نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: 1-4] ، وقال تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ ?لرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ?لرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَـ?رُهَا خَـ?شِعَةٌ [النازعات: 6-9] .

روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: ?لَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى? وُجُوهِهِمْ إِلَى? جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 34] ، أيحشر الكافر على وجهه؟! قال رسول الله: (( أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه؟! ) )قال قتادة حين بلغه: بلى وعِزَّةِ ربِّنا. ونحن نقول: بلى وعِزَّةِ ربِّنَا، إنه على كل شيء قدير. وقال رسول الله: (( يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صُوَرِ الرجال، يغشاهم الذُّلُّ من كلّ مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بُولَسُ، تعلوهم نارُ الأنْيَار، يُسْقَوْنَ من عصارة أهل النار طِينَةِ الخبال ) )رواه النسائي والترمذي.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قرأ: يَوْمَ يَقُومُ ?لنَّاسُ لِرَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [المطففين: 6] وقال: (( يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ) )رواه البخاري ومسلم، وقال رسول الله: (( تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقْوَيْهِ، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا ) )وأشار رسول الله بيده إلى فِيهِ. رواه مسلم.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: (( يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) )، فقيل: ما أطول هذا اليوم! قال النبي: (( والذي نفسي بيده، إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفَّ عليه من صلاة مكتوبة ) )رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: (( تجتمعون يوم القيامة فيقال: أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيقومون، فيقال لهم: ماذا عملتم؟ فيقولون: ربنا ابتليتنا فصبرنا، وولّيت الأموال والسلطان غيرنا، فيقول الله عز وجل: صدقتم، قال: فيدخلون الجنة قبل الناس، وتبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان ) )، قالوا: فأين المؤمنون يومئذٍ؟! قال: (( توضع لهم كراسيّ من نور، ويُظَلَّل عليهم الغمام، ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمن من ساعة من نهار ) )رواه الطبراني وابن حبان.

وفي هذا اليوم العصيب والموقف الرهيب يكون المقام المحمود في ذلك اليوم الموعود لرسولنا محمد حيث الشفاعة العظمى عند رب العالمين للفصل في الجزاء والحساب، وقد وردت أحاديث عدة حول الشفاعة العامة للخلق أجمعين لذلك الموقف، وكذلك الشفاعة الخاصة بالمؤمنين والموحدين وغيرها من الشفاعات الخاصة، ومنها ما رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله: (( كل نبي سأل سؤالًا ـ أو قال: لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته ـ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي ) )، وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما: (( فأخّرت مسألتي ) ). (( اختبأت دعوتي ) )أي: ادَّخرتها واختزنتها. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( أُعطيت خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحد قبلي: جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تَحِلَّ لنبيٍّ كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر على عدوي، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأعطيت الشفاعة، وهي نائلة من أمتي من لا يشرك بالله شيئًا ) )رواه البزار، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سألت رسول الله قلت: يا رسول الله، ماذا رد ربك إليك في الشفاعة؟ قال: (( والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم، والذي نفس محمد بيده، لما يَهُمّني من انقصافهم ـ وفي رواية: انقضاضهم ـ على أبواب الجنة أهمُّ عندي من تمام شفاعتي لهم، وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصًا وأن محمدًا رسول الله يصدّق لسانه قلبه وقلبه لسانه ) ).

يـ?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ وَ?خْشَوْاْ يَوْمًا لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ ?للَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِ?للَّهِ ?لْغَرُورُ [لقمان: 33] .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فقد قال الله عز وجل لرسولنا محمد في محكم التنزيل في آي القرآن الكريم: وَمِنَ ?لَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى? أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا [الإسراء: 79] ، والمقام المحمود يوم القيامة للرسول محمد في شفاعته عليه الصلاة والسلام عند رب العالمين للجزاء والحساب عندما يعتَذِر أبونا آدم وأولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام عن تلك الشفاعة العظمى، ويكون شرفها لرسولنا محمد ، وهي المسماة بالشفاعة العامة، أما الخاصة فتكون له عليه الصلاة والسلام وللرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وللملائكة عليهم السلام وللشهداء ولمن يشاء الله عز وجل من المؤمنين، قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ?لدَّاعِىَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ ?لأصْوَاتُ لِلرَّحْمَـ?نِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ?لشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ?لرَّحْمَـ?نُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا [طه: 108، 109] ، وقال تعالى: وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ لاَ تُغْنِى شَفَـ?عَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ?للَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى? [النحل: 26] ، وقال تعالى: وَلاَ تَنفَعُ ?لشَّفَـ?عَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى? إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ?لْحَقَّ وَهُوَ ?لْعَلِىُّ ?لْكَبِيرُ [سبأ: 23] ، وقال عز وجل: مَن ذَا ?لَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] .

وروى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كنا مع النبي في دعوة، فَرُفِعَ إليه الذراع وكانت تعجبه، فَنَهَسَ منها نَهْسَةً، وقال: (( أنا سيِّدُ الناس يوم القيامة، هل تدرون ممَّ ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فَيُبْصِرُهم الناظرُ، ويُسْمِعُهم الداعيَ، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناسَ من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا تنظرون ـ وفي رواية: ألا ترون ـ إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة أن يسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟! ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟! فقال: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سمّاك الله عبدًا شكورًا، أ َ لاَ ترى إلى ما نحن فيه؟! أ َ لاَ ترى إلى ما بَلَغنَا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك؟! فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربّك، أ َ لاَ ترى إلى ما نحن فيه؟! فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، قد كُنْتُ كذبت ثلاث كذبات، فذكرها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فَضَّلَكَ الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟! فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلَّمتَ الناس في المهد، اشفع لنا عند ربك، أ َ لاَ ترى إلى ما نحن فيه؟! فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ، فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، أ َ لاَ ترى ما نحن فيه؟! فأنطلق تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أَدْخِلْ من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ) )، ثم قال (( والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وَهَجَر أو كما بين مكة وبصرى ) )رواه البخاري ومسلم.

وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي قال: (( يقول إبراهيم يوم القيامة: يا ربّاه، فيقول الرب جل وعلا: يا لبَّيْكاه، فيقول إبراهيم: يا رب، حرّقت بنيّ، فيقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه ذرةٌ أو شعيرة من إيمان ) )رواه ابن حبان في صحيحه، وقال رسول الله: (( يُشَفِّعُ اللهُ تبارك وتعالى آدمَ يوم القيامة من ذريته في مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف ) )رواه الطبراني، وقال: (( لَيَدْخُلَنَّ الجنةَ بشفاعة رجلٍ من أمتي أكثرُ من بني تميم ) )، قلنا: سواك يا رسول الله؟ قال: (( سواي ) )رواه ابن حبان وابن ماجة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: (( خيرت بين الشفاعة أو يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، أما إنها ليست للمؤمنين المتقدمين، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين ) )رواه أحمد والطبراني وابن ماجة.

وبقيت أحاديث في شفاعة الشهداء لذويهم والملائكة وغير ذلك مما دلَّت عليها الأحاديث والتي لا تتسع الخطبة لذكرها، وأهمُّ من ذلك رحمة رب العالمين وأرحم الراحمين الله لا إله إلاَّ هو الغفور الرحيم.

اللهم ارحمنا، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، سبحانك إنا كنا من الظالمين.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت