فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الأسرة والمجتمع, فقه
اللباس والزينة, قضايا المجتمع
ناصر بن عمر العمر
المدينة المنورة
جامع جابر الأحمدي
1-منة الله تعالى على عباده باللباس. 2- قصة انكشاف العورات. 3- فتنة إبليس في هذا الباب.
أما بعد: فيقول الحق تبارك وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ.
هذا الخطاب الرباني في الآيتين قد صدّره الله لبني آدم، فهو لعموم البشر ممتنّا عليهم بإنزال اللباس لهم ليواري سوءاتهم، ولقد ذكر الله هذه المنة العظيمة على البشرية بأن هداهم للباس الذي يواري سوءاتهم ويقيهم الحر والبرد، بل وامتن عليهم بإنزال الريش وهو الزينة من اللباس، ثم ذكّرهم سبحانه بأن لباس التقوى خيرٌ من لباس البدن، فكما يحب الإنسان السوي أن يستر عورته عن الناس بل ويحب أن يتزين بالزينة فإن لباس الأخلاق والدين وهو اللباس المعنوي خير وأزكى، والاهتمام بلباس التقوى هو الذي يمنع الإنسان من التكشّفِ والعري وإظهار ما يجب ستره عن أعين الناس.
يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.
وهنا لنقف على القصة من أولها، فما حكاية الشيطان مع بني آدم واللباس؟ وحديثنا عن اللباس حديث ذو شجون، فلنستمع للقصة من أولها:
لقد خلق الله أبانا آدم وخلق منه زوجه حواء، فلما خلق الله آدم وكان قد سُبِق في الخلق الملائكة وإبليس لعنه الله، فكان أن أمر الله الملائكة وإبليس بالسجود لآدم تكريما وتشريفا لهذا المخلوق الجديد، فسجد الملائكة مذعنين لأمر ربهم من غير تردد ولا تلكُّؤ، وبقي إبليس اللعين لم يسجد وعصى أمر من خلقه وسوّاه فعدله، فخاطبه ربه سبحانه سائلًا له وهو أعلم: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، فاستمع إلى تلك الإجابة: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: 12] .
هنا الزلل، وهنا الخطر، وهنا الانجراف للهاوية، حين يُعمَل العقل في غير موضعه، وحين ينازع عقل المخلوق أمر خالقه، فلا إله إلا الله العزيز الحكيم. هنا خطورة أن يعمل الإنسان عقله في غير الموضع الذي أمر بإعماله فيه، حينما يعرض أوامر الله وتشريع الله على عقله، فإن وافقت عقله أجازها وقال: هي خير، وإن لم يفهمها ولم توافق عقله أو هواه رفضها وأتي بما يوافق عقله أو هواه، وحينها يصل هذا الإنسان ويأتي بالكوارث لنفسه وللمجتمع وللبشرية كلها.
لقد جعل إبليس لنفسه رأيًا مع النصّ الإلهي، واعلم ـ أيها المسلم ـ أنه لا اجتهاد مع النص، وحين يوجد النص القاطع يبطل النظر ويبطل الاجتهاد، بل تتعين الطاعة ويتحتم التنفيذ، فالله سبحانه قد جعل إبليس عبرة لمن خالف أمره وتكبر عن طاعته وأصر على معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه وعصى أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا.
ولما طرد إبليس من الجنة ووعده الله بإنظاره ليوم يبعثون حكمة وتدبيرا من الله العزيز الحكيم جاء إبليس لآدم وحواء يوسوس لهما بما أعطاه الله من القدرة على هذا الإيحاء وتلك الوسوسة، فقال لهما: ما نهاكما الله عن الأكل من هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا خالدين، وقد كان الله قد أباح لهما من ثمار الجنة حيث شاءا، وحذرهما من شجرةٍ بعينها بعدم الاقتراب منها. وهنا دهاء هذا اللّعين، ليأتي لبني آدم من نقاط ضعفهم، فيتمكن منهم إلا من اعتصم بعصمة الدّين والإيمان الصحيح.
إن آدم وحواء خلقٌ جديد على الجنة، والمخلوق الجديد في مثل هذا المكان يريد ويرغب في التمسك به، فأتاهما الشيطان من هذا المدخل، فقال لهما: ما نهاكما الله عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين، والملائكة هم من سكان الجنة، أو تكونا من الخالدين في هذه الجنة، فكلاَ منها فإن أكلَتم كنتم خالدين في الجنة لا تخرجون منها. وزيادةً في الخداع والإيهام ولبس دور الناصح أقسم لهما بالله إنه لهما من الناصحين، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، كما قال تعالى: فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ، وانتبه إلى هذا اللفظ: فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ، فالتدلية هي إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، فكان المعنى أن الشيطان استطاع أن ينزل آدم وزوجه من المكانة العلية إلى مكانة أدنى بسبب المعصية، وهكذا هي الذنوب تذلّ بني آدم وتنقص قدرهم وعلوهم عند الله عز وجل.
فلما ذاقا وطعما مجرد الطعم من هذه الشجرة تساقط ما كان يستر عوراتهم وبدت سوءاتهما، وسميت بالسوءة لأن الإنسان يسوؤه إظهارها وإبرازها لغيره من البشر.
وبدت السوءات وقد كانت مستورة، ولكنه الفعل الشيطاني الذي يريد من بني آدم كشف عوراتهم وسوءاتهم، فيحتال عليهم بشتى الحيل ويدخل عليهم بشتى المداخل؛ لكي ينزع عنهم هذا اللباس الذي يواري سوءاتهم، وكل يوم له حيلة، ومع كل قوم له مدخل وأسباب يقنعها بهم.
كان العرب قبل الإسلام لا يطوفون بالبيت بثيابهم التي يلبسونها، فقد أوحى لهم الشيطان وزين لهم أن لا تطوفوا بالبيت الحرام بثياب قد عصيتم الله فيها، فكان بعضهم يطوف بالبيت عريانا، وربما طافت النساء عرايا وتنشد إحداهن فتقول:
اليوم يبدو كله أو بعضه وما بدا منه فلا أحله
بدعة ابتدعوها ما كتبها الله عليهم، ولكنه إبليس عدو مبين أخذ العهد على أن يغوي بني آدم، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعه كثير من البشرية في سَلك مسالك العري والسفور وكشف ما لا ينبغي كشفه إلا فريقا من المؤمنين.
لقد جاء في عصرنا وأمرهم بإنشاء دور الرقص، وسمى لهم الرقص فنًا، وأمرهم بإنشاء دور الأزياء، وأمرهم بالعري على الشواطئ، وسماها لهم حرية، وأمرهم بالسفور والتبرج، وسماها لهم فقال للمرأة: هذا إظهار للأنوثة.
قال تعالى: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ. هذه هي الفطرة الإنسانية السوية، وهذه هي فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ أنهم لا يرضون بأن تظهر سوءاتهم وعوراتهم أمام الناس، فأخذ آدم وحواء يسارعان إلى ورق الجنة يلصقانه على ما بدا من عورتيهما، هذه هي الفطرة النقية، واليوم كل من خالف هذا المفهوم ورضي بشيء من انكشاف العورات ما قلّ منه أو كثر كان هذا انتكاسا للفطرة السليمة، وانقلابا إلى شيء من البهيمية الحيوانية، حتى يغدو البعض والأنعام خير منهم وأرقى.
وعاتبهما الله سبحانه على العصيان بقوله: أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ. جاء في بعض الآثار التي ساقها ابن كثير في تفسيره أن آدم قال: (( بلى، ولكن وعزّتك ما حسبت أحدا يحلف بك كاذبا ) )، قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، فتاب الله عليهما، ولكن شؤم المعصية وأثرها أخرجهما من جنة الخلد وملك لا يبلى إلى الأرض وصراع سرمدي مع عدو لا يستكين، أُنزِلا إلى الأرض بما فيها من نصب ووصب وهمّ وغمّ وضحك وبكاء وحياة وموت، ولله في ذلك الحكمةُ البالغة، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
كانت هذه الكلمات في الخطبة الأولى مقدمة وتوطئة للحديث عن موضوع مهم في حياتنا اليومية، ويتعلق بأدبنا ويتعلق بعوراتنا ويتعلق بمظهرنا، ذلك هو موضوع اللباس والزينة، وإنما كانت هذه الكلمات لبيان أهمية الموضوع ومكانته من الدين والأدب والفطرة والنعمة التي امتنها الله على عباده، ما هدي رسولكم في اللباس؟ ماذا لبس؟ وماذا نهى عنه؟ ما حدود الزينة وبعض سنن الفطرة؟ ما اللباس الذي يرتضيه الله لنا معاشر الرجال وأيضا النساء؟ ما عورة الرجل؟ وما عورة المرأة أمام النساء؟ وما علاقة الكفار بلباسنا؟ ما الهدي النبوي في الشعر الذي أنبته الله في الإنسان؟ ما أقوال فقهاء المسلمين في وجه المرأة؟ كل هذه المواضيع المهمة هي محور الخطب القادمة بعون الله وتوفيقه.
ثم صلوا وسلموا على خير البرية...