الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
محمد بن حمد الخميس
الدمام
جامع الهدى
1-ثمار التوكل على الله. 2- نماذج من توكل الأنبياء على الله تعالى. 3- المستقبل للإسلام وأهله.
أيها الأحبة في الله، حديثنا اليوم بإذن الله تعالى عن التوكل على الله في الأزمات.
أحبتي في الله، نسمع من الفتن والنوازل المتلاحقة في ديار المسلمين ما تكاد تطير لها القلوب هلعًا وجزعًا، وتنفطر لها الأكباد هما وغمًا، فهي فتن تجعل الحليم حيران كما أخبر النبي.
هذه الفتن والنوازل تحتاج منا إلى نظرات وتأملات، فإن الله لا يبتلي صفوة عباده إلا لحكمة يعلمها وغاية هو بالغها ومنزلة سيبلغهم إياها، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3] .
إذا علم المؤمن هذه الحقيقة فإنه لا تتغير ثوابته لمحنة مزلزلة أو حادثة مدوية، بل يحسن الظن بالله ويتوكل عليه، فإن الله ناصر عبده ومتول أمر دينه ومتم نوره ولو كره الكافرون، فعباده الصادقون هم الذين يتوكلون عليه في هذه الأزمات، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] ، فلا تروعهم الخطوب وإن عظمت، ولا تزعزعهم المصائب وإن جلت، فيعملون بطاعته وهم يعلمون أن الله لا يضيع أجر المحسنين.
إن حسن التوكل على الله في الأزمات يجعل العبد يتدبّر الآيات ويتبحر في المواقف والملمات، فلا يفرح بما أوتي ولا ييأس على ما فات، فهو يعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. قال القرطبي رحمه الله:"لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلَرُبّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرُبّ أمر تحبّه فيه عطبك".
إنّ التوكّل من أجلّ صفات المؤمنين وأرفع درجات السالكين وأعلى مقامات الموحدين، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] . قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكان مقدمة هؤلاء المؤمنين حقًا والمتوكلين صدقا الأنبياءُ والرسل الذين قالوا جميعًا: وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم:12] ".
إن من فضل الله على عباده أن جعل الأنبياء عليهم السلام بشرًا، يشعرون بما نشعر، ويتألمون كما نتألم، وجعل في حياتهم من الأزمات والبلاءات التي يرفع بها قدرَهم ويعلو شأنهم، وذلك بالتوكل عليه وعدم الركون إلى غيره سبحانه.
فهذا إبراهيم عليه السلام حبيب الله وخليله وصفوته من خلقه تمر عليه الأزمات تلو الأزمات، فيحسن توكله على الله، فيحسن الله خلاصه، دعا قومه إلى الله فأعرضوا عنه، وأعدوا العدة لإحراقه في النار، انقطعت به أسباب النجاة من الأرض، ولكن أسباب النجاة من السماء لم تنقطع، جاءه جبريل عليه السلام فقال له: هل لك من حاجة؟ قال إبراهيم في ذلك الموقف الرهيب: أما لك فلا، وأما إلى الله فحسبي الله ونعم الوكيل.
إن الله قادر على تخليص إبراهيم، ولكنه سبحانه يحبّ توكل عبده عليه وصدق لجوئه إليه، فلما أحسن إبراهيم التوكل على الله في هذه الأزمة تحولت محنته إلى منحة وناره إلى برد وسلام، وتفضل الله عليه بحسن الخلاص في الدنيا والآخرة، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:68، 69] .
وهذا نبي الله موسى عليه السلام يخرج ليلًا بقومه المستضعفين فرارًا من فرعون وبطشه، فيتبعهم فرعون بجنوده وخيله ورجله فيدركهم، حتى لا يجد موسى وقومه إلا البحر أمامهم والعدو خلفهم، وتقطعت الأسباب، وضاقت السبل في الدنيا، ولكن من يتوكل على الله فهو حسبه، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61، 62] ، أي: سيكفيني، وصدق في توكله على الله، فجاء الأمر من الله بنجاتهم وهلاك عدوهم، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:65، 66] .
توكل على الرحمن في كل حاجة أردت فإنَّ الله يقضي ويقدّر
متَى ما يريد ذو العرش أمرًا بعبده يصيبه وما للعبد ما يتخيّر
أما خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الخلق أجمعين فقد مرت عليه أزمات وشدائد، فأحسن التوكل على الله، فأحسن الله عاقبته. خرج من مكة طريدًا شريدًا، ولى وجهه شطر الطائف لعله يجد من يؤمن به ويسانده، وإذا بهم أغلظ أفئدة وأقسى قلوبًا، فخرج من الطائف ولم يستطع الرجوع إلى مكة لأن حياته معرضة للخطر، وهو من هو ، هو سيد البشر وخير من طلعت عليه الشمس ، ومع ذلك توجه إلى الله، وأسلم أمره لله، فأرسل الله له ملك الجبال لينصره وينتقم ممن آذوه، فعفا ولم ينتقم ، وهيأ الله له دخول مكة تحت حماية المطعم بن عدي وأبنائه.
توكلنا على الله إنا وجدنا الخير للمتوكلينا
ومن لبس التوكل لم تجده يَخاف جرائر المتجبرينا
أما في غزوة الخندق فقد تداعت على المسلمين جموع الكفار، في جيش يزيد عدده على سكان المدينة، واشتدت على المسلمين الأزمة، فقد المنافقون توازنهم، وتزعزعت عقيدتهم، وأساؤوا الظن بربهم سبحانه، فقالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا [الأحزاب:12] ، وزاد الطين بلّة غدر اليهود بالمسلمين وتحوّلُ سيوفهم مع المشركين، فأحاط الكفر بالمؤمنين من كل جانب، حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:11] .
هذه الأزمة لم تفتّ في عضد المؤمنين الصادقين، ولم تضعف إيمانهم، بل زادتهم إيمانًا ويقينًا، وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] . استعدّوا للقتال، وتجهزوا للنزال، وتوكّلوا على الله مع أخذهم بالأسباب، فأحسن الله خلاصهم وأنجاهم من عدوهم، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:25] .
أحبتي في الله، ما أحوجنا إلى التوكل على الله في الأزمات؛ لتتحوّل محننا إلى منح وبلايانا إلى هبات وعطايا، فقد كانت محنة الخندق على المسلمين عزًا وتمكينًا، حيث قال النبي لأصحابه مبشرًا لهم: (( اليوم نغزوهم ولا يغزوننا ) )رواه البخاري، فجعل الله بعد العسر يسرا، وبعد الشدة فتحًا ونصرًا.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بِخيْر فإن الفارج الله
إذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله
اليأس يقطع أحيانًا بصاحبه لا تيأسن فإن الكافي الله
اللَّه حسبك مِمَّا عذت منه به وأين أنت ممن حسبه الله
واللَّه ما لك غيْر الله من أحد فحسبك الله فِي كلّ لك الله
أيها الأحبة في الله، اعلموا أن ما يمر بالمسلمين اليوم من أحداث ومحن لن يؤثر على عقيدتنا وثقتنا في وعد الله بالنصر والتمكين والغلبة لهذا الدين، ومن ظن غير ذلك فقد أساء الظن بالله. قال ابن القيم رحمه الله:"من ظن إدالة أهلِ الكفر على أهل الإيمان والإسلام إدالة تامة فقد ظن السوء برب العالمين".
أحيانًا أمة الإسلام تمرض حتى يظن من يراها أنها هالكة، ولكنها لا تموت بإذن الله، فسرعان ما ترجع إليها عافيتها، وتزداد قوتها، وتقهر أعداءها.
فاملؤوا ـ عباد الله ـ قلوبكم بالأمل، وأزيحوا اليأس عن صدوركم، فإنه لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87] . وتمسكوا بكتاب الله المبين وبالصراط المستقيم الذي جعله الله مصدرًا لقوتنا، وسبيلًا لرفعتنا ووحدتنا، ومصدر خوف وهلع لأعدائنا، لذلك حرص أعداؤنا على إبعادنا عنه والتفريق بيننا وبينه، لا مكَّنهم الله من ذلك.
فهذا أحد المنصّرين يقول:"متى توارى القرآن ومكّةُ والمدينة عن بلاد المسلمين يمكننا أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة بعيدًا عن محمد وكتابه"، وقال آخر:"ما دام هذا القرآن موجودًا فلن يستطيع الغرب السيطرة على الشرق".
عباد الله، أبشروا، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.
ولرُبّ ضائقة يضيق بها الفتَى ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها فرِجت وكنت أظنها لا تفرَج
اللهم يا فارج الهم وكاشف الغم وناصر المظلوم، انصر دينك وأعزّ أولياءك وأذلّ أعداءك، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعَز فيه أهل طاعتك...
لم ترد.