فهرس الكتاب

الصفحة 5354 من 5777

حقوق المسلمين على بعضهم

الرقاق والأخلاق والآداب

الآداب والحقوق العامة

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-وجوب أداء الحقوق إلى أهلها. 2- حق الله تعالى. 3- ثواب التوحيد في الآخرة والأولى. 4- حقوق المسلمين.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

ألا وإن من أعظم ما يتقي الإنسان فيه ربه عز وجل أداء الحقوق إلى أهلها والتقرب إلى الله ببذلها، ليأتي الإنسان يوم القيامة سالمًا معافى ليس لأحدٍ عنده حق، فقد ورد في الحديث: (( إن الله ينادي يوم القيامة فيقول: لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده لأحد من أهل الجنة مظلمة، ولا لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده لأحد من أهل النار مظلمة ) ).

وإن من أعظم الحقوق التي يجب أداؤها والعناية بها حقين عظيمين أمر الله بهما، ورغب في العمل بهما، ورتب على الوفاء بهما الأجر العظيم في الدنيا والآخرة، ولا عز ولا نصر ولا منعة إلا لمن التزم بهما، ولا فلاح ولا تمكين إلا للعاملين بهما. أولهما: حق الله سبحانه، وثانيهما: حقوق المسلمين.

يقول معاذ بن جبل كنت رديف النبي يومًا فقال: (( يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ ) )قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا ) )، قال معاذ: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: (( لا تبشرهم فيتكلوا ) )رواه البخاري ومسلم.

هذا هو حق الله سبحانه، توحيده والتزام أمره، فلا يُعبد إلا هو، ولهذا خلق الله الجن والإنس كما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ ، فانظر كيف رتب هذا الثواب الجزيل أن لا يعذب من لا يشرك به في عبادته سبحانه.

أما ثواب الدنيا للموحد فهو التمكين في الأرض والاستخلاف فيها والأمن بعد الخوف، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

أما الحقوق الأخرى التي يجب على الإنسان مراعاتها والإحسان فيها فهي حقوق المسلمين، ابتداء من كف الأذى عنهم، ثم الإحسان إليهم بالقول والفعل، بل وحتى بالقلب من إزالة الحسد والبغضاء والغل والحقد، تزيل ذلك كله من قلبك على أخيك المسلم، وقد جمع الله ذلك كله في آية واحدة من كتابه فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، والأخ يبذل لأخيه كل ما يستطيع من أجل رفعته وعلو شأنه، هذا في أخوة النسب، فكيف بما هو أقوى وهو أخوة الدين؟!

ولقد بيّن رسول الله حقوق المسلمين بعضهم على بعض بيانًا شافيًا كافيًا، وجمع ذلك كله في حديث واحد يجعله المسلم أمام عينيه في كل عمل يعمله، فلقد قال النبي: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )، فلن يبلغ الإنسان درجة الكمال في الإيمان حتى يحب لإخوانه المسلمين ما يحبه لنفسه.

وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله: (( لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه ) )أخرجه مسلم.

فانظر ـ يا عبد الله ـ كيف أرشد النبي إلى هذه الأمور التي فيها حفظ حقوق المسلمين فيما بينهم، ثم انظر إلى أثر هذه الأعمال على النفوس وما تؤدي إليه من التباعد والتخاصم وعدم الاجتماع على كلمة واحدة، ثم تأمل حال المسلمين اليوم وما هم فيه من الفرقة؛ تجد أن مرد ذلك إلى بعدهم عن شرع الله حتى وصل الحال إلى تخاصم الإخوة وتقاطعهم من أجل حطام الحياة الدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم نرجو بعد ذلك نصر الله سبحانه! أضعنا أمره، وارتكبنا نهيه، وحاربناه بالمعاصي، والله لا ينصر إلا الصالحين المصلحين، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ. لن ينصر الله إلا من نصره باتباع أمره واجتناب نهيه، أما ما سوى ذلك فإن الله يقول: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ، عفا عن كثير من ذنوبنا، وإلا فلو عاقبنا عليها لما ترك على ظهر الأرض من دابة، لكن رحمته سبقت غضبه، وهو قد وسع كل شيء رحمة وعلمًا.

الناس يبتعدون عنه بالمعاصي والمحاربة له، وهو يتقرب إليهم بالنعم، ولقد وعد الصالحين بالعز والتمكين، وأخبر أن مرد الناس جميعًا إلى الخسران إلا من عمل صالحًا، فقال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله وفق من شاء من عباده لعمل الخيرات، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

عباد الله، حقوق المسلم على المسلم كثيرة جدًا، تشمل دفع كل شر عنه، وجلب كل خير له، والإحسان إليه بكل ممكن، وهذا هو خالص المحبة والأخوة، فالمؤمنون بعضهم لبعض كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك النبي بين أصابعه إشارة إلى قوة التماسك والترابط.

وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه ) )رواه مسلم.

هذه الحقوق ليست كل حقوق المسلم، ولكن الجامع بينها أنها تجلب الألفة والمحبة وتقوي الصلة وتشعر المسلم بأنه ليس غريبًا بين إخوانه، وأنهم معه في سرائه وضرائه، فتجعل قلبه منشرحًا وحياته هنيئة، ليس فيها تكدير ولا تنغيص. وعلى المسلم في حال أداء هذه الحقوق أن يستشعر النية الصالحة، وأن يكون عمله خالصًا حتى تؤتي هذه الأعمال ثمارها.

وفقني الله وإياكم لكل خير، وجعل عملنا خالصًا صوابًا، إنه على كل شيء قدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت