الأسرة والمجتمع
الأبناء
خالد بن محمد بابطين
جدة
مسجد الراجحي
1-الاستعداد للاختبارات. 2- مدى عناية الآباء بأبنائهم. 3- اختبار القبر واختبار الآخرة. 4- صعوبة تربية الأبناء. 5- مشكلة التربية في العصر الحاضر. 6- علاج مشكلة التربية. 7- أهمية الدعاء بصلاح الأولاد.
أيها الإخوة، في هذه الأيام يستعد الطلاب والطالبات ويتهيّئون لدخول الاختبارات بعد أن أمضوا شهورًا من العمل والجد والاجتهاد، فتجد الكل ينشطون بأنواع النشاط والاستعداد، فالاختبار فيه شيء من الرهبة، وهو يحدد مصير صاحبه ومستقبله الدنيوي، فتغمره الفرحة بالنجاح فيسرّ ويبتهج، أو يسودّ وجهه ويعلوه الاكتئاب بالفشل، ولذا فقد أصبحت قلوب الآباء والأولاد وجلة وأذهانهم قلقة، وقد أُعلنت في كثير من البيوت حالة الطوارئ، فالأب ينتظر بفارغ الصبر نتيجة ولده، وتراه يعِده ويمنِّيه ويتوعّده ويحذّره، وقد بذل من ماله وراحته وأعصابه من أجل ولده ونجاحه وشهادته، وهذا الأمر لا تثريب فيه لأنه من الأحاسيس الطبيعية التي فطر عليها الإنسان.
ولكن أيها الأبُ المشفقُ على ولده الخائفُ من إخفاقه وفشله، وأنت قد اهتممت بولدك هذا الاهتمام بشأن الاختبار تعالَ معِي ننظر إلى جانب آخر مما يحتاجه هذا الولد؛ هل كان اهتمامك به بالقدر الذي أوليتَه لدراستِه واختباره؟! ولك أن تقارن وتستخرج النتيجة.
هب أن ولدك تأخّر في نومه عن وقت الاختبار ما هي حالك؟ ما هو شعورك؟ كيف ستصنع؟ ألستَ ستسابق الزّمن ليدرك الاختبار؟! ولكن أرأيتَ إن نام يومًا أو أيامًا عن صلاته كيف سيكون موقفك يا تُرى؟ وأنت ـ أيها الأب ـ المشفق في كل يوم تسأله عما قدّمه في اختباره وهل وُفّق للجواب الصواب؟ ولكن هل تسأله كلّ يوم عن أمر صلاته؟ وهل أداها في وقتها وحافظ عليها حيث ينادى بها؟
أيها الأب المشفق، هب أن ولدك قصر في أداء ذلك الاختبار ولم يسدَّد للجواب الصحيح ألا يضيق صدرك ويشتدّ همّك وغمّك ويأخذ بك الغضب كل مأخذ؟! وقد تنزِل به أشدّ أنواع العقوبة، ولكن أين ذلك كله حين تعلم بل وترى ولدك يرتكب معصية أو يضيّع واجبًا شرعيًا؟!
وها أنت ـ أيها الأب ـ تمنعه أيام الاختبارات مما بين يديه من ملذّات ومُتَع كالتّلفاز والإنترنت والسهر مع الأصحاب والأصدقاء لئلا يُشغل عن اختباره بأي شاغل، وهذا أمر حسن ولا شك، ولكن أين أنت عنه طوال العام حين يغلق عليه بابه ويشاهد ما يعرض عبر الشاشة مما هو معروف؟! وأين أنت عنه حين يخلو بنفسه أو يرتاد تلك المقاهي ويتنقّل بين مواقع الإنترنت السيّئة؟! وكم ليلة أمضاها ونهارٍ قطعه خارج البيت مع أصحابه وأصدقائه وأنت تعلم جيدًا ما يفعل كثير من الشباب حين يجتمعون، فماذا كان موقفك؟!
أيها الأب الحنون، ماذا فعلت لإعداد ولدك لاختبار مهمّ جدًا؛ اختبارٍ من فصلين لا ثالث لهما: فصلٍ في القبر، وآخرَ يوم القيامة، وليس هناك دورٌ ثانٍ ولا إعادة ولا حمل للمواد، ما هو إلا نجاحٌ لا رسوبَ بعده أو رسوبٌ قد لا يكون بعده نجاح، ما هي إلاّ جنةٌ أو نار، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] .
اختبارُ القبر سيسأل عنه كلّ إنسان: من ربك؟ ما دينك؟ ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ وهو اختبار مكشوف ليس فيه شيء من السّرِّية، وقد يبدو سهلًا يسيرًا، ولكن من الناس من إذا سئِل فيه أجاب، ومنهم من إذا سئل قال: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون ذاك، فيقال له: لا دريت ولا تليت، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] . وأما الاختبار الآخر فيوم القيامة حين لا تزولُ قدما عبدٍ حتى يسأَل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟
أيها الأب الفاضل، ماذا تغني عنه شهادته أو تفوّقه؟! ماذا يغني عنه مركزه ومكانته إذا أوتي كتابه بشماله وقال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:25-29] ؟!
أيها المؤمنون، إن قضية التربية قضية مؤرقة وشائكة جدًا؛ حيث إن العوامل التي تدخل فيها وتؤثّر في مخرجاتها كثيرة ومعقّدة، بل ومتناقضة في كثير من الأحيان، وبالتالي فكما جاء في الحديث: (( لا يجنَى من الشوك العنب ) )، وتأمل في واقع المجتمع وانظر حولك ترى كلّ ما يهدم القيم والأخلاق، فكيف ترجَى ثمراتٌ طيبة للتربية في واقع لا يساعد على نجاحها بل هو يهدمها ويناقضها؟!
فذاك أب مشغول بتجارته، وآخر غارق في عقاراته وعماراته، وثالث مستهلك بوظيفته صباح مساء، ورابع لا يكاد يضع عصا الترحال عن عاتقه، وخامس يقطع ليله مع أصدقائه ونهاره في عمله، وسادس مشغول بزوجه الجديدة التي أخذت عقلَه ولبَّه وقلبَه ووقته حتى أضحى كثير من الأولاد أيتامًا وآباؤهم على قيدِ الحياة.
وليست المشكلة فحسب أن هؤلاء الأولاد لم يجدوا من يربيهم، بل المشكلة أيضًا أن هناك وسائل بديلة قامت بتربيتهم، فالإعلام بوسائله المتنوّعة المؤثرة يستلم الطفل أو الشاب أو الزوجة منذ دخوله المنزل إلى أن ينام بكل برامجه وصوره ومُسَلْسَلاته، وإن شئت فقل: ومُسَلْسِلاته، حتى أصبح الإنسان يستطيع أن يشاهد مئات القنوات التي تصوّر له أوضاع الشعوب الأخرى وكيف يعيشون وما هي أنماط أخلاقهم وسلوكهم في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لذلك فهذا الإعلام بصورةٍ واضحة صريحة يقدّم للناس هديًا وشريعة بديلَين عن شريعة الله تعالى وهدي محمد ، بل بلغ من انتشاره وخطورته أن أصبح يبذل بالمجان لكل من أراد، فإعلاناتٌ في الطرق وعبر رسائل الجوال لتسهيل وصول هذه الوسيلة لكل بيت، بل لكل غرفة، وهي في حقيقتها نشر للفاحشة بين الناس، ولا أظن أصحابها إلا ممن قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] .
وحدّث ولا حرج عن الإنترنت، ذلك البحر الذي لا ساحل له، وثمة عامل مؤثر وهو الشارع بكل ما فيه مما أقلّ ما نقول فيه: إنه ليس مكانا للتّلقي والتربية والتوجيه حيث تغيب فيه الرقابة من الوالدين ومن غيرهم. إضافةً إلى العناصر الدخيلة على المجتمع، فالسائق مثلا حين يذهب بالبنات إلى المدرسة وإلى السوق أو إلى أماكن الترفيه دون أن يكون هناك أيّ قدر من التوجيه أو الرقابة بحجّة أن الثقة في ظنّ الكثيرين موجودة، وكل أب يثق ببناته وأولاده تلقائيا لأنه يذكرهم منذ الصغر ويذكر ما فيهم من البراءة والبعد عن هذه المعاني، ويرى أيضًا ما عندهم من الحياء والخجل الذي يجعلهم لا يتكلّمون أمامه بشيء، فيظن الأب أنّ أبناءه وبناته أبرار أطهار، ولا يتوقع أن المشاعر المتأجّجة التي قد تثور في نفس أيّ شاب قد تثور عند ابنه أو ابنته، فيتساهل في شأن السائق والخادمة واختلاطهم مع أبنائه وبناته، وكم جرّ هذا التساهل من ويلاتٍ تشيب لها مفارق الولدان.
نسأل الله أن يصلح أولادنا، وأن يحفظهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله عَظُمَ شأنه ودام سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره عمّ امتنانه وجَزَلَ إحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، به علا منار الإسلام وارتفع بنيانه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام، أعتذِر لكم عن هذا الإسهاب في وصف الواقع السيّئ، لكنه واقع ملموس لا بدّ من التعرّف عليه بكل صدق ووضوح، ولا بد من معالجته بكلّ أمانة وإخلاص، ولست أزعم أني سآتي في هذه الخطبة على كلّ ما يمكن أن يقال في هذا الموضوع، فليست الخطبة مجالًا للإسهاب في هذه الموضوعات، وليس علاج هذه المشكلة يكون بخطبة أو كلمة أو محاضرة أو كتاب، بل لا بدّ من أن تترجم كل هذه الأقوال إلى أفعال، وما لا يدرك كله لا يترك جلّه، ولعلي أن أجمِل شيئًا العلاج في النقاط التالية، وحسبي أن يصبح هذا الأمر همًا يستدعي العنايةَ والاهتمام من كل مسؤول عن التربية.
أولًا: لا بد أن تقوم مؤسسات التربية والتعليم بدورها المطلوب، ولا بد أن توفّر لها الإمكانات اللازمة لتواكب وسائلُها تقنياتِ العصر وتفيد منها في بناء الإنسان المسلم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ولا بد أن يختار لها الأكفاء المؤهّلون لحمل هذه الأمانة، لا أن تكون التربية والتعليم وظيفة من لا وظيفة له.
ثانيًا: إحياء دور المسجد ورسالته، فهو منطلق التربية الأول ومصدرها الأساس، وهو الجو الطبيعي للتربية على مكارم الأخلاق ومعاليها، ولقد كان النبي يعيش معظم وقته مع أصحابه في المسجد، ففيه حلْقات التعليم، ويرتاده السائلون والمستفتون، حتى إن الرجل الجاهل يأتي فيدخل المسجد، فيجد الرسول مع أصحابه، فيقف بينهم فيقول: أيكم محمد؟ فيشيرون إليه ويقولون: هو هذا، فيسأله عمّا أشكل عليه من أمر دينه أو دنياه.
ثالثًا: القرناء الصالحون، وهم بحمد الله كُثر، فينبغي الحرص عليهم، وأن يضع الأب ولده في دائرتهم، فهو مسؤول عن وصله بهذه الوسائل المفيدة ومنعه وإبعاده عن تلك الوسائل الضارة، وينبغي أن نعلم أن الشر خفيف على النفس، وأن التكاليف ثقيلة، والشيطان مسلّط، فيحتاج الإنسان إلى مراقبة ورعاية وحثّ وتشجيع.
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاعة وإن تفطمه ينفطم
رابعًا: الحلقات والدروس العلمية كحلقات تحفيظ القرآن الكريم أو حلقات تعليم العلم الشرعي أو مجالس للذكر يؤمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر وترقَّق فيها القلوب وتحرَّك فيها المشاعر.
خامسًا: الوسائل الإعلامية النافعة مثل الكتب والأشرطة والمجلات الإسلامية المفيدة وغيرها، وكذلك المواقع المفيدة في الإنترنت.
سادسًا: المعايشة والمخالطة والتعاهد بالنصح والتوجيه والقدوة الحسنة في الأقوال والأفعال ومحاولة تلمّس حاجاتهم ومشكلاتهم وتذليل ما يواجهون من عقبات وصعوبات.
أيّها الإخوة، إنّ التربية تحتاج إلى صبر ومصابرة ودعاء ومتابعة، فربما استجاب الولد بعد حين وادّكر بعد أمة.
أيها الإخوة، ومع كل ما سبق فثمّة أمرُ الدعاء، فهذا إبراهيم عليه السلام يقول: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [إبراهيم:40] ، وزكريا عليه السلام دعا ربه فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38] ، وحين وهب الله له يحيا قال: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:6] ، ومن دعاء المؤمنين: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74] .
فما أحرانا أن نخصَّهم بدعوة خالصة في ساعة من ليل أو نهار، لعل الله أن يفتح لها باب القبول.