فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة, مكارم الأخلاق
عبد العزيز بن الطاهر بن غيث
طرابلس
جامع أم القرى
1-على المسلم أن يتصف بالشمولية والمثالية في التمسك بتعاليم الإسلام. 2- أخلاق وآداب كثيرة تضيع على المسلمين بسبب عدم اعتنائهم بها. 3- أدب الحلم. 4- أدب التأني. 5- أدب الرفق. 6- أدب الصمت. 7- أدب المطاوعة والليونة. 8- ضرورة تفقّد النفس في هذه الآداب والسعي إلى تحقيقها. 9- عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الجاهلية والإسلام.
أما بعد: أيها المسلمون، إن ديننا الإسلامي أكمل الأديان وأشملها وأنسبها لكل زمان ومكان، وما دام ديننا بهذا الوصف وهذا الكمال فإن على المسلم أن يستمد من هذا الدين صفة الشمول والمثالية، فيكون مسلمًا مثاليًا قائما بأصول الدين وفروعه؛ لأن شخصية المسلم لا تكتمل إلا إذا تمثلت فيه الآداب والأخلاق التي جاء بها الإسلام.
إن تعاليم ديننا الحنيف تسعى إلى بناء المسلم المثالي الذي تتجلى فيه كل الأخلاق الإسلامية، لا أن يكون متصفا ببعض الأخلاق ومبتعدًا عن بعضها، عاملًا ببعض الواجبات وتاركًا غيرها، كل خلق من أخلاق الدين الإسلامي حث عليه الله سبحانه في كتابه ودعا إليه نبيه واتصف به هو والصالحون من بعده وجب على المسلم أن يتحراه ويتحلى به، فما جاء رسول الله إلا لتقرير الأخلاق الحسنة وتتميم مكارمها فهو القائل: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) )أخرجه البيهقي والحاكم.
ولا شك ـ إخوة الإيمان ـ أن المسلمين في عمومهم تضيع منهم الكثير من الأخلاق والآداب الإسلامية ويرتكبون الكثير من الانحرافات والمخالفات، هذا أمر لا خلاف فيه، لكن هناك بعض الأخلاق والآداب تضيع حتى على المسلمين الصالحين القائمين بفروض دينهم وواجباته، وهذه الأخلاق والآداب حساسة لا يشعر المسلم بأهميتها رغم أنها ضرورية مهمة، فتجد الكثير من المسلمين يتمسكون ببعض الأخلاق والآداب الإسلامية وتضيع منهم آدابٌ أخرى مهمة، فلا يفطنون لها ولا يهتمون بها، وهي آداب مهمة يحتاجونها في إكمال شخصيتهم الإسلامية، ويحتاجونها في التعامل مع إخوانهم المسلمين، نتكلم عن بعض هذه الآداب التي يفقدها الكثير من المسلمين، سائلين الله سبحانه أن ينفعنا بما نقول ونسمع، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
من الآداب التي يفقدها الكثير من المسلمن أدب الحلم، والحلم ـ كما يقول الراغب الأصفهاني ـ هو ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب. ولقد مدح الله سبحانه بهذه الصفة نبيه إبراهيم عليه السلام فقال عز من قائل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود: 75] ، ومدح رسول الله أيضًا أحد أصحابه بهذه الصفة الحميدة، هذا الصحابي هو الأشج بن عبد القيس، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال للأشج: (( إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة ) ).
هذا هو الحلم وهذه منزلته، ولكننا مع هذا نجد بعض المسلمين من المحافظين على الصلاة وعلى أركان الدين وآدابه؛ نجده غضوبًا سريع الغضب، لا يتحلى بصفة الحلم، وهي صفة إذا فقدها المسلم اهتزت شخصيته وتصرف تصرفات لا تحمد عقباها، فكيف لا نتحلى بخصلة يحبها الله سبحانه ويدعو إليها رسوله ؟!
وليس المقصود بالحلم ـ إخوة الإيمان ـ أن لا يغضب المسلم نهائيا، فهذا مستحيل، وهو غير محمود أيضا، ولكن المقصود أن لا يغضب لكل شيء ولأتفه الأسباب، وأن يكون غضبه في الحق، وأن يملك نفسه عند الغضب، فلا يخرجه الغضب عن جادة الحق فيقول ما لا ينبغي أو يفعل ما يجرّ عليه الويلات ولا يجني من ورائه إلا الحسرة والندامة، قال: (( ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) )أخرجه الشيخان.
ومن هذه الآداب المهمة أدب التأني، ومعنى التأني التثبت والاتِّئاد وعدم العجلة. وهذه الصفة مهمة حتى يصل الإنسان إلى ما يريد، وحتى يكون مصيبًا في أعماله وأحكامه، فغالب الأفعال والأحكام والتصرفات المبنية على التسرع والاستعجال تكون نتائجها غير مرضية، يقول: (( التأني من الله، والعجلة من الشيطان ) )، هكذا يبين أن التأني من الله والاستعجال من الشيطان، ومع هذا تجدنا لا نتأنّى في أمورنا، بل تأخذنا العجلة فتكون نتائج أعمالنا نتائج لا تسر، كل ذلك بسبب عجلتنا واستعجالنا، وقد صدق الله عز وجل حين وصف الإنسان بقوله: وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء: 11] .
إن الاستعجال ليس مذمومًا فقط في أمورنا الحياتية وعلاقتنا مع الخلق، بل هو مذموم حتى في علاقتنا بالخالق عز وجل، من ذلك أن المسلم مطالب بأن لا يستعجل في الدعاء، فيدعو مرة أو مرتين ثم يترك الدعاء بسبب عدم حصول الاستجابة، هذا أمر نهى عنه رسول الله ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل ) )، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: (( يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أرَ يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ) )أخرجه مسلم.
ومن الآداب المهمة التي يفقدها الكثير من المسلمين أدب الرفق، والرفق لين الجانب، وهو خلاف العنف. فالمسلم يجب أن يكون سهلًا لينا رفيقا في تعامله مع سائر خلق الله، لكننا نجد الكثير من المسلمين لا يعالج الأمور برفق وسماحة، بل المعالجة في الغالب تشوبها الرعونة والغلظة، وهذا أمر لا يرضاه الله، ولا يمكن أن يؤدي إلى ما نرجوه من نتائج.
إن الرفق ليس من الكماليات في أخلاق المسلم وشخصيته، بل هو صفة مهمة جعلها رسول الله زينة للأمور كلها، وغيابها عن أي أمر يشين هذا الأمر، يقول: (( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه ) ). هذا يعني ـ أيها المسلمون ـ أن المسلم لا غنى له عن الرفق في كل مجالات حياته ومع كافة من يتعامل معهم، ويقول أيضا: (( إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق ) ). فعليكم بالرفق ـ أيها المسلمون ـ مع أهلكم ومع أبنائكم ومع إخوانكم، ولن تعدموا بالرفق الأجر عند الله سبحانه وراحة البال وإنجاز الأمور على أتم وجه في هذه الحياة.
ومن الآداب المهمة التي تغيب على أكثر المسلمين ويعجزون عنها أدب الصمت، فالإنسان مأمور بالصمت والسكوت طالما لا يوجد مبررٌ أو فرصةٌ للكلام الحسن، لهذا فإن من تعاليم رسول الله الخالدة المشهورة قوله: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) )الحديث أخرجه أبو داود. فليس من تمام شخصية المسلم وكمالها أن يكون ثرثارًا مهذارا، بل عليه التعود على الصمت بين الحين والآخر؛ لأن الصمت يفتح مجالًا للتفكر، ويفتح مجالًا للاعتبار، ويفتح مجالا لمراجعة النفس، ويبعد الإنسان عن كثير من سقط الكلام، أما الثرثرة فإنها في أغلب الأحيان تجرّ على الإنسان الذنوب والآثام؛ لهذا كان من أوصاف النبي أنه كان يطيل الصمت، فعن جابر بن سمرة قال: كان طويل الصمت قليل الضحك. أخرجه أحمد.
ولم يكن الصمت موجودًا في صفاته فقط، بل كان موجودًا في تعاليمه التي وجهها للأمة كما أسلفنا، بل إنه بين أيضًا أن الصمت من أفضل ما يتجمل به الناس، يقول كما في صحيح الجامع من حديث أنس: (( عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما تجمّل الخلائق بمثلهما ) ). ها هو يقسم بالذي يملك نفسه يقسم بالله سبحانه أن الصمت زينة لم يتجمل الخَلق بمثلها، فما لنا لا نتجمل بهذه الزينة؟! وما لنا لا نُحيي هذا الأدب فيما بيننا؟!
ولا يكتفي بهذا، بل إنه يجعل النجاة التي يسعى وراءها كل مسلم صادق، يجعلها في الصمت وإمساك اللسان، فعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: (( أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابْكِ على خطيئتك ) )أخرجه الترمذي. هذه هي فوائد الصمت، فلماذا لا نلجم أفواهنا؟! ولماذا لا نتحرى مواقع ألسنتنا كما نتحرى مواقع أقدامنا؟!
مُت بداء الصمت خيْر لك من داء الكلام
إنَّما السالِم من ألـ ـجَم فاه بلجام
ومن الآداب المهمة المفقودة بيننا التطاوع والليونة والتنازل، وهذا الأمر يكون في الجدال والنقاش وغيره من معاملات تحدث بين المسلمين، يتشبث فيها كل طرفٍ بموقفه أو رأيه دون أن يعطي أدنى تنازل ولا سماحة، وهذه صفة ذميمة لا ينبغي للمسلم أن يتصف بها؛ لهذا كان يوصي أصحابه بالتطاوع فيما بينهم حتى تنجح أمورهم وتتآلف قلوبهم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله بعثه ومعاذًا إلى اليمن، فقال: (( يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا ) )، بل إنه يوصينا في باب الجدال أن لا نطيله إذا تحول إلى مِراء ومعاندة وملاحاة، بل علينا أن نترك هذا الجدال حتى ولو كان الحق معنا؛ لأن الفائدة معدومة من نقاش كهذا، ويعدنا إن ابتعدنا عن هذا المراء ببيت في ربض الجنة أي: في جوانب الجنة ونواحيها، عن أبي أمامة أن رسول الله قال: (( أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحِقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ) )أخرجه أبو داود.
فاتقوا الله عباد الله، وتفقدوا أنفسكم، وتناصحوا، وليعزم كل من كان متصفًا بصفة ذميمة فاقدا لصفة حميدة أن يستبدل هذه بهذه مخلصا في ذلك لله عز وجل.
وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوة الإيمان، ما ذكرناه من آداب إسلامية نبيلة وصفات إيمانية حميدة ليست للمعرفة النظرية، ولكنها صفات كل مسلم مطالب بأن يسارع إلى تحقيقها ما دامت من الآداب التي يحبها الله ورسوله ، لا بد للمسلم أن يتفقد نفسه ما الذي ينقصه من هذه الصفات فيحاول أن يتحلى بها، وأن يحققها في نفسه؛ لأن التحلي بها مكسب كبير، والافتقار إليها خسارة عظمى.
ولا شك أن التحلي بهذه الآداب الرفيعة أمر صعب غير يسير، ويحتاج إلى دأب وجهد، وليس من السهولة أن يكون الإنسان ثرثارا كثير الكلام فيصبح فجأة صموتا قليل الكلام، ومن الصعب أيضا أن يكون المرء غضوبا تستثيره أبسط الأمور فيصبح بين عشية وضحاها حليما صبورا، هذا أمر مستحيل، ولكن بالإخلاص والاستعانة بالله وبالتدرب ييسر الله سبحانه هذه الأمور على العبد، فلا بد أن يدرب المسلم نفسه على هذه الصفات الحميدة حتى يحصلها، فبالتدرب والتعود تسهل الأمور وتتحقق؛ لهذا يقول كما في صحيح الجامع من حديث أبي الدرداء: (( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوقَّ الشر يوقه ) ).
إذًا فأمر تغيير الطباع ليس أمرًا مستحيلا، ولا يُقبل من مسلم أن يتمسك بصفة ذميمة أو طبع رديء ويقول: هذا طبعي ولا أستطيع تغييره، بل عليه أن يجاهد نفسه في ذات الله عز وجل، ويسعى إلى تحقيق مرضاة الله، وله في ذلك الأجر والثواب الحسن.
ولنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة في جهادهم لأنفسهم وتغييرهم لطباعهم حتى تلائم ما جاء به الإسلام، فقد نقل لنا أصحاب السير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان غضوبًا فتاكًا بطاشًا في الجاهلية حتى روي عنه أنه ضرب أخته فاطمة لما علم بإسلامها حتى أدمى وجهها، هذه هي أوصافه قبل الإسلام رضي الله عنه، ولكنه لما أسلم وخالطت بشاشة الإيمان قلبه وعرف الحق جاهد نفسه وتخلص من هذه الصفات حتى نقل إلينا من صفاته أنه كان رقيق القلب بكاءً من خشية الله وأنه كان وقافًا عند كتاب الله، إذا ذكّر بكلام الله وقف عنده. هكذا ينبغي أن يكون المسلم؛ سبّاقًا إلى التخلق بما يرضي مولاه عز وجل، مبتعدا عن مساوئ الأخلاق وسفاسفها التي يكرهها الله سبحانه، قال: (( إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها ) )أخرجه الحاكم.
أسأل الله أن يعيننا على التحلي بما يرضيه من آداب وأخلاق، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه...