فهرس الكتاب

الصفحة 2395 من 5777

الخوف من الذنوب(1)

الإيمان

الجن والشياطين

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

1-الخوف من عدم قبول التوبة. 2- الذين يقعون في أنواع الذنوب ويقولون بأن الله غفور رحيم. 3- غلب علينا الرجاء الذي يضعف الهمم. 4- خوف الصحابة رضي الله عنهم ونماذج منه.

وبعد:

فإنه ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها، فإن أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة وكأنهم قد قطعوا على ذلك, وهذا أمر غائب, ثم لو غفرت بقي الخوف بعد فعلها, ويؤيد الخوف بعد التوبة أن في حديث الشفاعة في الصحاح أن الناس يأتون إلى آدم عليه السلام يوم القيامة فيقولون: اشفع لنا فيقول: ذنبي, فيأتون بعده نوحًا وإبراهيم وموسى عليهم السلام فيقولون مثل ذلك، فيأتون بعدهم عيسى عليه السلام فلا يرى نفسه أهلًا لطلب الشفاعة ويحيلهم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم, فإن هؤلاء الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبًا حقيقة, ثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا وهم بعد ذلك على خوف منها، ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع، وما أحسن ما قاله الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: واسوأتاه منك وإن عفوت، واحيائي وخجلي منك وإن عفوت عن ذنوبي وقبلت توبتي.

فأفٍ ـ والله ـ لِمُختار الذنوب مؤثر لذة لحظة تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن وإن غُفر له, الحذر الحذر من كل ما يوجب خجلًا, وهذا أمر قبل أن ينظر فيه تائب أو زاهد لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة وما ذكرته يوجب دوام الخجل. هذا وإن كان اللوم متوجهًا في حق اللذين تابوا فاعتمدوا على عفو الله ونسوا ذنوبهم بعد أن تابوا منها فلم يعودوا يتألمون بسببها فإنه أشد توجهًا في حق الذين هم مقيمون على الذنوب ولم يتوبوا منها, وهم مع ذلك على عفو الله معتمدون, فإن كان الله تعالى قد قال في الآية الثانية من سورة المجادلة: وَإِنَّ ?للَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فقد قال كذلك في الآية السابعة والأربعين من سورة إبراهيم: إِنَّ ?للَّهَ عَزِيزٌ ذُو ?نتِقَامٍ , وإن كان قال في الآية التاسعة والأربعين من سورة الحجر: نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ فقد قال بعدها مباشرةً: وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ?لْعَذَابُ ?لاْلِيمُ , وإن كان قد ثبت في الصحيحين من حديث عثمان رضي الله عنه أنه توضأ ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء غفر له ما تقدم من ذنوبه ) )ومعنى هذا بيان سعة عفو الله وفضله ورحمته, إن كان ذلك قد ثبت فقد ثبت أيضًا في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) ), وعند الترمذي في هذا الحديث: (( لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا ) ), يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا ولا يعبأ بها ولا يرى حرجًا من النطق بها فيستخف ويستهتر فتكون سببًا في أن يهوى في النار سبعين خريفًا, أعاذنا الله من ذلك. هذا وإن آيات وأحاديث الوعيد لكثيرة جدًا, فلا ينبغي لمن نصح لنفسه أن يتعامى عنها ويرسل نفسه في المعاصي ويتعلق بالرجاء وحُسن الظن, قال تعالى في سورة البقرة: وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَ?حْذَرُوهُ [البقرة:225] , وقال في موضعين اثنين من سورة آل عمران: وَيُحَذّرْكُمُ ?للَّهُ نَفْسَهُ [البقرة:28، 30] .

قال أبو الوفاء بن عقيل:"احذره ولا تغتربه", أي احذر الله ولا تغتربه فإنه قد قطع اليد في ثلاثة دراهم، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر, ودخلت امرأة النار في هرة، واشتعلت الشملة نارًا على من غلّها وقد قتل شهيدًا.

وإذا كان الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم عاشوا على الخوف من ذنوبهم وماتوا على ذلك, وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يبعثون يوم القيامة وهم كذلك خائفون وجلون خجلون، فما بالنا آمنين، غير وجلين ولا خجلين, غلب علينا الرجاء الذي يضعف الهمم وتميل معه النفوس إلى الركون والدعة, وقلّ حظ أنفسنا من الخوف الذي هو أنفع شيء لها في هذه الدنيا, فمعه تدوم الطاعة وتقاوم الرغبة في العودة إلى الذنوب ويدوم الحياء من الله قال تعالى في الآية الأخيرة من سورة ق: فَذَكّرْ بِ?لْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45] ، وقال في سورة إبراهيم: وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ?لأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14] . وقال في سورة الملك: إِنَّ ?لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِ?لْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12] .وقال في سورة الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] .

فالحذر الحذر لا يغلبنكم الرجاء على نسيان الذنوب وإن تبتم منها, فإن الله تعالى قال في سورة آل عمران: وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175] .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين, وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم النبيين وإمام المرسلين, اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن كان فيما سبق من أحوال الأنبياء والرسل دلالة على خوفهم من الذنوب فإن من تأمل كذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف, ونحن بين التقصير بل التفريط والأمن, فهذا الصديق رضي الله عنه ذكر أحمد رحمه الله أنه كان يقول: (وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن) , وكان يُمسك بلسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) ، وكان يبكي كثيرًا ويقول: (أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا) , ولما حضرته الوفاة قال لعائشة رضي الله عنها: (يا بُنية إني أهبت من مال المسلمين هذه العباءة وهذا الحلاب وهذا العبد) أي نالي مما فرضه المسلمون لي عباءةً وحلابًا وعبدًا, فأسرعي به إلى ابن الخطاب وقال: (والله لوددت أني تلك الشجرة تؤكل وتعضد) .

وهذا عمر رضي الله عنه كان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء, ودخل عليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بعدما طُعن عمر يبشره ويعدد له مناقبه ويقول له: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ, ومات أبو بكر وهو عنك راضٍ, ومصّر الله بك الأمصار, وفتح بك الفتوح, وفعل بك وفعل, فأجابه عمر رضي الله عنه قائلًا: (وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر) .

وكان رأسه في حجر ابنه عبد الله رضي الله عنهما فقال له: (ويحك ضع خدي على الأرض, عسى الله أن يرحمني) وقال: (ويل لأمي إن لم يغفر لي) ثلاثًا ثم قضى رضي الله عنه.

وهذا عثمان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر بكى حتى يبل لحيته, ويقول: (لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتها يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتها أصير) .

وهذا علي رضي الله عنه بكاؤه وخوفه وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى, وكان يقول: (طول الأمل يُنسي الآخرة, واتباع الهوى يصد عن الحق, ألا إن الدنيا ارتحلت مدبرة, والآخرة ارتحلت مقبلة, ولكل واحدة منها بنون, فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا, فإن اليوم عمل ولا حساب, وغدًا حساب ولا عمل)

وهذا تميم الداري رضي الله عنه قام ليلة حتى أصبح, يقرأ آية واحدة من سورة الجاثية هي قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ ?لَّذِينَ ?جْتَرَحُواْ ?لسَّيّئَـ?تِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ سَوَاء مَّحْيَـ?هُمْ وَمَمَـ?تُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] , أيحسب الذين اجترحوا السيات أن نعاملهم معاملة الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وأن نساويهم بهم في موتهم وحياتهم ساء ما يحكمون.

وهذا ابن عباس رضي الله عنهما كان أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع, وقال البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان:"باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر".وذكر هذه الآثار فقال:"وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا"، ما عرضت قولي على عملي وقارنت بينهما إلا خشيت أن أكون مكذبًا.

وقال ابن أبي مليكه: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه, ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل.

ويُذكر عن الحسن:"ما خافه إلا مؤمن- أي ما خاف النفاق وحسب له الحساب- ولا أمنه إلا منافق". أفنظن أن الخوف يضرنا وأن البكاء يُهلكنا.

لقد سأل رجل الحسن البصري رحمه الله فقال له: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمنًا خير من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف.

فلا بأس إذن بالخوف ولا بالبكاء من خشية الله. إن أحدنا لو ذكر آية أو حديث وعيد فبكى لانتدب له أكثر من شخص يقولون له: لا تقنط ولا تُقنط, عظِّم رجاءك في الله. وليس الأمر كذلك، فإنا عودنا قلوبنا القسوة, وأعيُننا الجمود, ولم نعد نطيق أن يُخوفنا أحدٌ ويُبكينا فنقول عظم رجاءك في الله، حتى أصبحنا لا نرى من يخاف ولا من يبكي إلا قليلًا ممن رحم الله، فأصبحنا بين تقصير أو تفريط وأمن ونزعم أننا متابعون للصحابة والسلف الذين كانوا في غاية العمل مع غاية الخوف, فلا بأس بالخوف إذا كان يدفعنا إلى الطاعة والعمل لا إلى اليأس والقنوط ورحم الله القائل:

واحسرتي واشقوتي من يوم نشر كتابيه

واطول حزني إن أكن أوتيته بشماليه

واحرّ قلبي أن يكون مع القلوب القاسية

فعودوا قلوبكم رحمكم الله الرقة, وأعينكم البكاء من خشية الله, وإياكم والإفراط في الأمن والضحك فإن رقة القلب وصفاءه لا سبيل إليها إلا الخوف والبكاء والندم على الذنوب والخوف من آثارها ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت