فهرس الكتاب

الصفحة 1153 من 5777

مفهوم التوحيد الصحيح

التوحيد

أهمية التوحيد

محمد بن عبد الله الهبدان

الرياض

جامع العز بن عبد السلام

1-التوحيد دعوة جميع الرسل 2- التوحيد لباب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 3- أمور

يتضمّنها التوحيد , وبعض صور مخالفته 4- العجب بالكفار والتشبه بهم

أيها المسلمون: ما أعظمه! ما أكرمه! هل في الدنيا والآخرة أجل منه وأعظم؟

أن تخلق الخلائق كلها إنسها وجنها من أجله! أن ترسل الرسل وتُنزل الكتب لإحقاقه والأمر به! أن تقوم القيامة، وتقع الصاخة، وتنزل الطامة لمحاسبة الخلق ماذا عملوا به؟

أن تخلق الجنة والنار من أجل مجازاة أهله!!

أن ينقسم الناس من أجله فريق في الجنة، وفريق في السعير!

حقا إنه لأمر عظيم أن توجد الدنيا والآخرة بسببه!!

إنه التوحيد، التوحيد الذي جاءت به رسل الله كلهم من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا محمد مؤكدة هذا الركن الركين والأصل العظيم ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

لقد مكث بمكة ثلاث عشرة سنة كاملة يدعو قومه إلى هذا المبدأ العظيم! ولكن يا ترى هل اكتفى المصطفى بهذا القدر؟ هل اكتفى أن يمكث في مكة ثلاث عشرة سنة فقط يدعو إلى التوحيد؟ كلا بأبي وأمي هو بل واصل دعوته حتى بعد وصوله إلى المدينة الطيبة، فما زال يقرر هذا الأمر العظيم يعيده ويبديه!. ويوصي أصحابه بأن تكون دعوتهم بادئ ذي بدأ بأمر التوحيد فعن ابْنَ عَبَّاسٍ قال: (( لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى ) )الحديث [1] .

بل وصل الأمر إلى أعظم من ذلك، ورسول الله في سياق الموت، وهو يلفظ أنفاسه الشريفة، وهو يودع الدنيا يوصي أمته بأمر التوحيد تقول عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ: (( لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ) ) [2] .

إن شدة الاهتمام بأمر التوحيد من قبل نبينا محمد وغيره من الأنبياء تدل دلالة واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار على أهمية التوحيد، وجلالة قدره، وعظم منزلته!

وكيف لا يكون ذاك؟ والعبد لا يمكن أن يكون له فلاح وفوز إلا بتحقيق التوحيد الذي جاءت به الأنبياء والمرسلين، وهو أن تعبد الله جل جلاله لا تشرك به شيئا، قال عليه الصلاة والسلام: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا ) ) [3] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ ) ) [4] .

أيها الأخ المبارك: بهذا يتبين لك خطأ أولئك الذين يقولون إن أمر التوحيد أمر لا يحتاج إلى طول وقفه، ولا جلسة تأني، ولا مداومة نظر، ولا إمعان فكر، فالناس قد أدركوا التوحيد، وخالط بشاشة قلوبهم، وأصبح يمشي في عروقهم، فهم نشأوا على التوحيد، وعاشوا في بلد التوحيد، فلا حاجة إذن أن نملئ أسماعنا من هذا الكلام فذاك أمر قد مضى زمانه، وفات آوانه.

ولكن أحبتي الكرام: نظرة متأنية وتفحص ثاقب في مسيرة الناس ،ومجريات حياتهم يتبين لك خطأ تلك النظرية وتهافتها،فإننا نرى ذلك الارتباك الشديد في بعض المفاهيم العقدية، والتي تعتبر من الأصول التي لا تتزعزع، والثوابت التي لا تتغير، مهما تغيرت الأحوال والأزمان والأمكنة.

فمن تلك المفاهيم الغائبة مفهوم التوحيد، ليس التوحيد أيها الأحبة الكرام مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه فحسب، فإن هذا أمر لا يتنازع فيه شخصان، فعباد الأصنام مقرين بلك وهم مع ذلك مشركون.

بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له والذل لجنابه، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي، والإصرار عليها، قال عليه الصلاة والسلام: (( فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ) ) [5] هل حرم الله النار على من قال لا إله إلا الله بلسانه فحسب؟ كلا فالمنافقين يقولونها بألسنتهم وهم في الدرك الأسفل من النار!

لابد أيها الأحبة حتى يتم توحيد العبد أن يتفق القلب واللسان والعمل على هذا المبدأ العظيم فيعتقد بقرارة نفسه أن كلمة التوحيد تعني لا معبود حق في الوجود إلا الله، فكل ما خلا الله جل جلاله باطل، ولابد أن يصحب هذا الاعتقاد ضبط السلوك الإنساني داخل نطاق هذا التوحيد الخالص الذي يجعله يتحرر من عبودية العباد إلا عبادة رب العباد، يتحرر عقله من تلك الخرافات والخزعبلات، يتحرر ضميره من الخضوع والخنوع.. يتحرر من تسلط الفراعنة والطغاة والأرباب والكهنة، ويعلم أن هذه المخلوقات البشرية التي يخالطها في حياته إن هي إلا أدوات لقدر الله، وأنها حين تضره فهي تضره بشيء قد قدره الله له، وحين تنفعه فإنما تنفعه بشيء قد كتبه الله له، فلا يتوجه إلا إلى الله، في سرائه وفي ضرائه سواء، ويعلم يقينا أن الخلق كلهم لا يملكون له ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فلا استنصار إذن إلا بالله، ولا توكل إلا على الله، ولا رغبة ولا رهبة ولا خوف ولا رجاء إلا بالله، ومن الله، إنه بهذا التصور للتوحيد ،يتضح لك بجلاء خطأ أولئك الذين تقاذفتهم الأهواء، واستولت عليهم الفتن والأدواء، من أمثال الذين تعلقوا بالتمائم والحروز، فعلقوها على أنفسهم وأولادهم، بدعوى أنها تدفع الشر، وتجلب الخير، وتذهب بالعين، والله تعالى يقول: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير [الأنعام:17] . وقد رأى النبي رجلا في يده حلقة من صفر فقال: (( ما هذه؟ قال من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا ) ) [6] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ) )، وفي رواية: (( من تعلق تميمة فقد أشرك ) ).

وإن من المسلمين من قد افتتن بالمشعوذين، والدجاجلة الأفاكين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، بدعوى أنهم يكاشفونهم بأمور الغيب، فيما يسمى مجالس تحضير الأرواح، أو قراءة الكف والفنجان، والله جل جلاله يقول: قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون [النمل:65] . وقال عليه الصلاة والسلام: (( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ) [7] .

وإن من الناس من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله واعتقد ذلك بقلبه فقد أشرك شاء أو أبى واتخذ أولئك ربا كالذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر. إذا كان هذا قول ابن عباس في الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله لقول من هو دونهم؟

أيها المسلمون: ومن المفاهيم التي اعتراها الاهتزاز والضعف بل تكاد أن تموت وتتلاشى في القلوب، مفهوم الولاء والبراء، تلك الكلمة التي ظلمها الناس فلم يرعوها حق رعايتها ولم يدركوا معناها ولا مدلولاتها.

إن كلمة التوحيد لن تحقق في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء، والبراء ممن يستحق البراء منه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] . قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله: (ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم ـ أي الولاء والبراء ـ بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) .

وتبرز اليوم على الساحة العالمية دعوات مشبوهة تنادي بالإخاء والمساواة والاتحاد بين الأمم على اختلاف مشاربها وعقائدها وأهدافها، مع احتفاظ كل ذي دين بدينه، شريطة أن يكون دينا كهنوتيا لا صلة له بالحياة.

وقد ظهرت هذه الدعوات بقوالب متعددة وأشكال متنوعة ربما تتفق في الغايات والأهداف. وذلك مثل: العالمية، الإنسانية، زمالة الأديان، تقارب الأديان، التعايش مع المسلمين، المجتمع الدولي، وهكذا.

ويا حسرة على العباد أولئك الذين نشأوا في ديار التوحيد انساق كثير منهم وراء هذه الدعوات فغاب عنهم المفهوم العقدي للولاء والبراء، وأصبحت ترى مشاهد يندى لها الجبين من أبناء المسلمين وبناتهم، إننا أصبحنا نرى ذلك الإعجاب الذي بلغ منتها لأولئك الكفرة الذين قالوا عن الجبار جل جلاله إن الله فقير ونحن أغنياء، أصبحنا نرى تلك المحاكاة لأولئك في لباسهم وطريقة كلامهم، ولولا سمرة في وجوههم لما استطعت أن تميز بين هؤلاء وأولئك، إنك لتعجب كل العجب أن ترى من يجل هؤلاء ويصفهم بأوصاف الإعزاز والإكبار مع أنهم يقولون عن الله جل جلاله: إن الله ثالث ثلاثة، إنهم لا يألون في مسلم إلًا ولا ذمة ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

فيا ترى كم درسا، كم موعظة، كم توجيها، نحتاجها لترسيخ تلك المفاهيم في القلوب إلى درجة اليقين!؟ كم نحتاج من جهود لتصحيح تلك المفاهيم السقيمة!؟

آلا فليتق الله أولئك الزاهدون في أمر التوحيد، وليعلموا أن معظم الشرور والنكبات التي أصابت أمة الإسلام، وأشد البلايا التي حلت بهم، كانت بسبب ضعف التوحيد في النفوس ،وغياب تلك المفاهيم عنها، وما تسلط أولئك الأعداء وغاروا على ديار أهل الإسلام، واستأصلوا شأفتهم، واستباحوا حرماتهم، إلا بسبب ضعف التوحيد.

ولكن عندما كان التوحيد راسخا في القلوب، ثابتا في النفوس، تأتيه العواصف من كل مكان وهو قد ضرب جذوره في الصدور فلا تؤثر فيه الرياح ولا تزعزعه العواصف عندها كان للإسلام صولة وجولة، لقد كان الموحد يتلو قول الله تعالى: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فما كانت تهتز هذه العقيدة إذا تعرضت للشدة لأنها عميقة الجذور، لقد كان الموحد يقرأ قول الله جل جلاله: أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه [الزمر:36] . فيحمل سيفه المثلم، ورمحه المحطم، ويقاتل الأبطال، ويقذف بنفسه في غمرات الجهاد، يطعن ويضرب، وصدره يعي هذه الآية.

آلا إنها دعوة لتصحيح المفاهيم الخاطئة التي هوت بالأمة من عليائها لتستقر في غبرائها!

آلا إنها دعوة لأن تكون اهتماماتنا بالأصول العظيمة التي هي مفتاح القلوب ومحركها.

بارك الله...

[1] رواه البخاري (7372) ومسلم (19)

[2] رواه البخاري (436) ومسلم (531)

[3] رواه أحمد ورقمه (22108)

[4] رواه البخاري (3435) ومسلم (28) من حديث عبادة بن الصامت.

[5] رواه البخاري ورقمه (425) من حديث عتبان.

[6] رواه أحمد بسند لا بأس به.

[7] رواه الأربعة والحاكم.

يا من أعزكم الله بالإسلام، وأكرمكم بأن جعلكم خير أمة أخرجت للناس، إنكم دخلتم التاريخ بتلك العقيدة الفذة، عقيدة التوحيد التي لم تشبها شائبة، ولم يخالطها الشكوك، ولن تقوم لنا قائمة مما نحن فيه إلا بالعودة على ما كان عليه أسلافنا الأوائل من تحقيق للتوحيد في واقع حياتهم، ودعوة الناس إليه وبذل الجهود من أجل تحقيقه في القلوب وترسيخ تلك المعاني العظيمة في النفوس حتى تصبح هي المحرك الوحيد للإنسان، عندها سيتغير الوضع بإذن الله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا وصلوا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت